قال العلّامة الأمينيّ : ولم يكن نهي عمر عن المتعتين إلّا رأيا محضا واجتهادا مجرّدا تجاه النصّ! أمّا متعة الحجّ فقد نهى عنها لما استهجنه من توجّه الناس إلى الحجّ ورؤوسهم تقطر ماء! لكنّ الله ـ سبحانه ـ أبصر بالحال ، ونبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يعلم ذلك حين شرّع إباحة متعة الحجّ حكما باتّا أبديّا (١).
وقال ابن قيّم : ومنهم من يعدّ النهي رأيا رآه عمر من عنده ، لكراهته أن يظلّ الحاجّ معرّسين بنسائهم في ظلّ الأراك.
[٢ / ٥٥٠٥] قال أبو حنيفة عن حمّاد عن إبراهيم النخعيّ عن الأسود بن يزيد ، قال : بينما أنا واقف مع عمر بن الخطّاب بعرفة ، عشيّة عرفة ، فإذا هو برجل مرجّل شعره يفوح منه ريح الطيب ، فقال له عمر : أمحرم أنت؟ قال : نعم ، فقال عمر : ما هيأتك بهيأة محرم ، إنّما المحرم ، الأشعث الأغبر الأذفر (٢). قال : إنّي قدمت متمتّعا وكان معي أهلي ، إنّما أحرمت اليوم. فقال عمر ـ عند ذلك ـ :
لا تتمتّعوا في هذه الأيّام ، فإنّي لو رخّصت في المتعة لهم لعرّسوا بهنّ في الأراك ثمّ راحوا بهنّ حجّاجا. قال ابن قيّم : وهذا يبيّن أنّ هذا من عمر رأي رآه (٣).
وهناك من حاول تبرير موقف عمر ؛ وأنّ نهيه كان نهي تنزيه لا نهي عزيمة ، الأمر الّذي يخالف ظاهر تعابيره الصارمة في المنع.
قال النووي في شرح مسلم : المختار أنّ المتعة الّتي نهي فيها عثمان ، هي التمتّع المعروف في الحجّ ، وكان عمر وعثمان ينهيان عنها نهي تنزيه لا تحريم. وإنّما نهيا عنها لأنّ الإفراد أفضل ، فكان عمر وعثمان يأمران بالإفراد لأنّه أفضل ، وينهيان عن التمتّع نهي تنزيه ، لأنّه مأمور بصلاح رعيّته ، وكان يرى الأمر بالإفراد من جملة صلاحهم!! (٤)
__________________
(١) الغدير ٦ : ٢١٣.
(٢) الذفر : يقع على الطيّب والكريه ، ويفرّق بينهما بما يضاف إليه ويوصف به. والمراد هنا : الريح الكريهة.
(٣) زاد المعاد لابن قيّم ١ : ٢١٤. وهكذا ذهب ابن حزم أنّ هذا رأي رآه عمر (المحلّى ٧ : ١٠٢).
(٤) النووي بشرح مسلم ٨ : ٢٠٢.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
