إنّي سألت ربّي بالأمس شيئا لم يجد لي به ، سألته التبعات فأبى عليّ ، فلمّا كان اليوم أتاني جبريل فقال : إنّ ربّك يقرئك السّلام ويقول : ضمنت التبعات وعوّضتها من عندي» (١).
قال أبو جعفر الطبري : دلّ هذان الخبران أنّ غفران الله التّبعات الّتي بين خلقه فيما بينهم ، إنّما هو غداة جمع ، وذلك في الوقت الّذي قال تعالى : (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ) لذنوبكم ، فإنّه غفور لها حينئذ ، تفضّلا منه عليكم رحيم بكم.
قلت : في هذا نظر ؛ إذ لا تغيير ولا تبديل في علمه تعالى وحكمته البالغة ، وهذا الّذي ورد في الحديثين وما قبلهما يشبه أن يكون من البداء الممتنع عليه سبحانه.
كما أنّه تعالى لا يردّ دعاء عبده المؤمن الضارع إليه ، ولا سيّما إذا كان استغفارا بشأن الآخرين. فكيف بدعاء نبيّه الكريم عليه ، والمتأدّب بأدبه تعالى ، وهو صلىاللهعليهوآلهوسلم لا يسأل ربّه ما لا يكون وما لا مساغ للمسألة فيه!؟
[٢ / ٥٥٥٨] وأخرج ابن مردوية عن أبيّ بن كعب ، أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : «إنّ الله يباهي بأهل عرفة ويقول : انظروا إلى عبادي ، أتوني شعثا غبرا من كلّ فجّ عميق. فلو كان عليك مثل رمل عالج ذنوبا غفرها الله لك» (٢).
[٢ / ٥٥٥٩] وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن جابر قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «إذا كان يوم عرفة فإنّ الله تبارك وتعالى يباهي بهم الملائكة فيقول : انظروا إلى عبادي ، أتوني شعثا غبرا ضاحين من كلّ فجّ عميق ، أشهدكم أنّي قد غفرت لهم. قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : فما من يوم أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة» (٣).
[٢ / ٥٥٦٠] وأخرج ابن ماجة عن بلال بن ربّاح ، أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم قال له غداة جمع : «أنصت الناس. ثمّ قال : إنّ الله تطاول عليكم في جمعكم هذا ، فوهب مسيئكم لمحسنكم ، وأعطى محسنكم ما سأل ، ادفعوا باسم الله» (٤).
__________________
(١) الدرّ ١ : ٥٥٢ ؛ الطبري ٢ : ٤٠٣ / ٣٠٥٦ ؛ حلية الأولياء ٨ : ١٩٩.
(٢) الدرّ ٢ : ٤٢٥ (ط : هجر).
(٣) الشعب ٣ : ٤٦٠ / ٤٠٦٨ ؛ الدرّ ٢ : ٤٢٥ (ط : هجر).
(٤) الدرّ ١ : ٥٥٣ ـ ٥٥٤ ؛ ابن ماجة ٢ : ١٠٠٦ / ٣٠٢٤ ، باب ٦١.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٥ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4124_altafsir-alasari-aljame-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
