لو لا جعل الشارع لم تحمل على الموضوعات حكم وضعي ، فعلى هذا لا اختصاص بالسببية والشرطية والمانعية ، أو بإضافة الرخصية والفرعية أو غيرها حتى بلغ التسعة ، بل على هذا فالحكم الوضعي أعمّ منها ومن غيرها ، فالميزان في الحكم الوضعي هو ما قلنا لك ، فتدبّر.
اذا عرفت ما قلنا فالتحقيق في المقام يتوقّف على رسم مقدمات :
المقدمة الاولى : في النزاع حول الأحكام الوضعية بأنّها هل هي مجعولة شرعا كما هي الأحكام التكليفية مجعولات شرعية ، أو لا تكون كذلك؟
لا يخفى أنّ المراد من الجعل الذي نقول به في المقام هو الإيجاد ، فكما ترى أنّ المجعولات التكوينية معنى جعلها هو إيجادها في الخارج ، كذلك المجعولات التشريعية فمعنى جعلها أحكاما تكليفية هو إيجادها في الخارج ، فكما أنّ جعله تعالى للسماوات والأرض معناه إيجادهما في الخارج ، فكذلك معنى جعله الوجوب إيجاده الوجوب في الخارج ، فيكون النزاع في أنّ الأحكام الوضعية هل هي مجعولات شرعية بالمعنى المتقدم كالأحكام التكليفية ، أو ليس كذلك بل المجعول هو الأحكام التكليفية؟
وأمّا الأحكام الوضعية فهي ليست إلا انتزاعية ، أعني انتزعها العقل من الخصوصية التي تكون في الأشياء ، مثلا كما أنّ العقل من اتّصال زيد وهند وحصول علقة شرعية بينهما ينتزع الزوجية ، أو ينتزع الكلّية من شيء لجهة كذلك بعد جعل الشارع وجوب الإكرام المعلق على مجيء زيد ينتزع من هذا التعليق السببية ، وهكذا ، فعلى هذا لا يكون ذلك بجعل الشارع ، بل يكون منجعلا ، ومعنى كونه منجعلا هو أنّ العقل ينتزع هذا من الشيء المجعول.
والجعل يكون على أقسام : فتارة يجعل الوجوب والسببية استقلالا لكن بجعل واحد ، مثل أن يقول : أكرم زيدا إن جاءك ، فجعل الحكم التكليفي وهو وجوب الاكرام عند مجيء زيد ، وجعل السببية أيضا لكنّ كلّا منهما يكون جعله بخصوصية ،
![المحجّة في تقريرات الحجّة [ ج ٢ ] المحجّة في تقريرات الحجّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3688_almahjato-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
