يبني على اليقين فهذا فعل المكلف ، فعلى هذا نقول : إنّه بعد كون البناء من ناحية المكلف فالمكلف لو كان اليقين له حاصلا وكان واجدا له ما يفعل فكلّ ما يفعله حال كونه واجدا لليقين فهو يفعله حال الشك ، فهو لو كان متيقنا ما كان له إلّا الجري العملي على طبق يقينه ، ففي حال الشك أيضا بعد البناء على كون الشك كاليقين يكون فعله هو الجري العملي على طبقه ، فعلى هذا ولو أنّ الشارع حكم عليه بالبناء لكن بعد كون البناء من المكلف فالمكلف بعد البناء يكون فعله الجري العملي ، فالمكلف لا فرق عنده في أن يكون جريه العملي وفقا للأثر العقلي أو العادي أو الشرعي ؛ لأنّه لمّا كان بناء وهو حال اليقين فكما أنّ جريه العملي يكون على كلّ ما له أثر فكذلك في حال الشك.
فعلى هذا المبنى يكون اليقين مأخوذا استقلالا ، لأنّ له الأثر وهو الجري العملي ، فالمكلف بعد البناء من ناحيته يكون فعله الجري العملي فلا يرد المحذور المتقدم من أنّ اليقين لا أثر له إلّا التنجز وهو ليس أمره بيد الشرع ، لأنّ هذا الكلام يجري على الالتزام بجعل المماثل وأنّ الشارع جعله فلا يمكن له جعل التنجز ، فلا بدّ من كون اليقين مرآة للمتيقن ، وأمّا على ما قلنا من كون البناء من المكلف فيكون الأثر لليقين وهو الجري العملي ، فافهم.
واعلم أنّ لهذا المبنى الذي اخترناه ثمرات مهمّة :
منها : ما فهمت من كلامنا المتقدم من أنّه لا نحتاج الى جعل المماثل كما قال بعض.
ومنها : أنّه على هذا المبنى يكون وجه حكومة الاستصحاب على سائر الاصول واضحا ، إذ بعد كونه بمنزلة اليقين فحيث سائر الاصول موضوعها الشك وغايتها اليقين والاستصحاب على هذا بعد أمر الشارع بالبناء على اليقين يكون يقينا فيكون حاكما على سائر الاصول ، وأمّا على القول بجعل المماثل فحيث يكون
![المحجّة في تقريرات الحجّة [ ج ٢ ] المحجّة في تقريرات الحجّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3688_almahjato-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
