ومنشأ الإشكال في الباب هو : أنّه هل يكون العلم الإجمالي في المقام منجّزا ، أو لا؟ فإن كان منجّزا فلا بدّ من التخيير ، وإن لم يكن منجّزا فيجري الأصل في الطرفين ، ولازمه القول بالإباحة. وما يظهر من كلام الشيخ رحمهالله هو عدم تنجيز العلم الاجمالي أصلا ؛ لعدم إمكان المخالفة العملية ، بل بعض ترقّى عن ذلك وقال : إنّه لا يمكن البعث والانبعاث هنا أصلا ، لأنّ الأمر والنهي يكونان داعيا للمكلف نحو الفعل أو الترك ، وفي المقام حيث لا بدّ للمكلف إمّا من الفعل أو الترك فبعثه اليهما محال ولا وجه له ، ولأجل ذلك لا يمكن أن يتنجّز العلم الإجمالي.
ولكن لا يخفى فساد ما توهّم من عدم تنجيز العلم الاجمالي في المقام. ونقول لتوضيح المطلب : إنّه قلنا سابقا في باب القطع بأنّ العلم لا يكون وظيفته إثبات الحكم وبيانه ، بل ليس للعلم إلّا جهة الإراءة والطريقية وكشف الواقع ، واذا قام علم ينطبق على المعلوم كبرى الكليّة ، مثلا إذا علم بأنّ هذا خمر فلا يثبت العلم إلّا أنّ هذا خمر واقعا ، وأمّا وجوب الاجتناب عنه فهو يثبت من الخارج ، وحيث إنّه يعلم من الخارج بالكبرى وهي أنّ كلّ خمر يجب الاجتناب عنه ، فاذا قام العلم على خمريّة هذا المصداق فتنطبق الكبرى الكلّية على هذه الصغرى.
وأيضا قلنا في باب العلم الاجمالي : إنّه لا يمكن الإجمال في العلم ، بل العلم دائما يكون تفصيليا ، بل الفرق بين العلم التفصيلي والإجمالي يكون من جهة اخرى ، وهي أنّ العلم تارة لا يختلط في الخارج بالشكّ ، واخرى يختلط بالشك ، فإن لم يكن العلم مخلوطا بالشكّ فيكون العلم تفصيليا ، مثل علمك بإناء زيد ، والحال أنّه لا يختلطه شكّ وإن كان مخلوطا بالشك يكون العلم إجماليا ، مثل إناء زيد المردّد بين هذين الإناءين ، ولا يكون على كلّ من التقديرين إجمال في العلم ، بل في كليهما يكون متعلق العلم هو إناء زيد ، غاية الأمر أنّ إناء زيد في العلم التفصيلي لا يشوبه الشكّ ، وفي العلم الإجمالي كان مشوبا بالشك ، كما كان كذلك فيما نحن فيه أيضا فإنّه
![المحجّة في تقريرات الحجّة [ ج ٢ ] المحجّة في تقريرات الحجّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3688_almahjato-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
