قال شهاب الدين : وهذا من الزّجّاج كأنه تفسير معنى لا إعراب ، على ما يأتي ذكره عنه في تفسير الإعراب.
الوجه الثاني : أنها معترضة بين القول ومفعوله ، والأصل : ليقولنّ يا ليتني كنت معهم كأن لم يكن ، وعلى هذا أكثر النّاس ، وقد اختلفت عباراتهم في ذلك ، ولا يظهر (١) المعنى إلا بنقل نصوصهم فلننقلها.
فقال الزّمخشري : اعتراض بين الفعل الّذي هو «ليقولن» وبين مفعوله وهو (يا لَيْتَنِي) والمعنى : كأنّه لم يتقدم له معكم مودّة ؛ لأن المنافقين كانوا يوادّون المؤمنين في الظّاهر ، وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن ، والظّاهر أنّه تهكّم ؛ لأنهم كانوا أعدى عدوّ للمؤمنين ، وأشدّهم حسدا لهم ، فكيف يوصفون بالمودّة إلا على وجه العكس والتّهكّم.
وقال الزّجّاج : هذه الجملة اعتراض ، أخبر ـ تعالى ـ بذلك ؛ لأنّهم كانوا يوادّون المؤمنين.
وقال ابن عطيّة (٢) : المنافق يعاطي المؤمنين (٣) المودّة ، ويعاهد على التزام حلف الإسلام ، ثم يتحلّف نفاقا وشكّا وكفرا بالله ورسوله ، ثم يتمنّى عندما ينكشف الغيب الظّفر للمؤمنين ، فعلى هذا يجيء قوله : «كأن لم يكن» التفاتة بليغة ، واعتراضا بين القول والمقول بلفظ يظهر زيادة في قبح فعلهم.
وقال الرازي : هو اعتراض في غاية الحسن ؛ لأن من أحبّ إنسانا فرح لفرحه ، وحزن لحزنه ، فإذا قلب (٤) القضيّة فذلك إظهار للعداوة ، فحكى ـ تعالى ـ سرور المنافق (٥) عند نكبة المسلمين ، ثم أراد أن يحكي حزنه عند دولة المسلمين بسبب فواته الغنيمة ، فقبل أن يذكر الكلام بتمامه ، ألقى قوله : (أَنْ)(٦)(لَمْ تَكُنْ) والمراد التّعجّب ؛ كأنه يقول : انظروا إلى ما يقوله هذا المنافق كأن لم تكن بينكم وبينه مودّة ولا مخالطة أصلا ، والذي حسّن الاعتراض بهذه الجملة وإن كان محلها التّأخير ، كون ما بعدها فاصلة وهي ليست بفاصلة.
وقال الفارسي : وهذه الجملة من قول المنافقين للّذين أقعدوهم عن الجهاد ، وخرجوا هم كأن لم تكن بينكم وبينه أي : وبين الرّسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ مودّة ، فيخرجكم معه لتأخذوا من الغنيمة ليبغّضوا بذلك الرّسول إليهم ، فأعاد الضّمير في «بينه» على النّبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ.
__________________
(١) في ب : تظهر.
(٢) ينظر : المحرر الوجيز ٢ / ٧٧.
(٣) في أ : المؤمن.
(٤) في أ : قلت.
(٥) في ب : المنافقين.
(٦) في أ : فإن.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ٦ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3097_allubab-fi-ulum-alkitab-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
