من أصحاب رسول الله بكلمة «لا إله إلا الله» فاقبلوا منهم (١) مثل ذلك. وهذا يتوجه عليه الإشكال الأول. [قال ابن الخطيب](٢) والأقرب أن يقال : إنّ من ينتقل من دين إلى دين ، ففي أول الأمر يحدث ميل قليل بسبب ضعيف ، ثم لا يزال ذلك الميل يتأكد ويتقوّى إلى أن يكمل ويستحكم ويحصل الانتقال ؛ فكأنه قيل لهم : كنتم في أول الأمر إنما حدث فيكم ميل ضعيف بأسباب ضعيفة إلى الإسلام ، ثم منّ الله عليكم بالإسلام بتقوية ذلك الميل وتأكيد النّفرة عن الكفر ؛ فكذلك هؤلاء كما حدث فيهم ميل ضعيف إلى الإسلام بسبب هذا الخوف ، فاقبلوا منهم هذا الإيمان ، فإن الله ـ تعالى ـ يؤكد حلاوة الإيمان في قلوبهم ، ويقوّي تلك الرّغبة في صدورهم.
قوله ـ تعالى ـ : (فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ) الظّاهر أن هذه الجملة من تتمّة قوله : (كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ) فهي معطوفة على الجملة قبلها ، والمعنى : إيمانكم كان مثل إيمانهم ، في أنّه إنّما عرف منكم بمجرّد القول اللّساني ، دون ما في القلب ، أو [في](٣) أنه كان في ابتداء الأمر (٤) حاصلا بسبب ضعيف ، ثم منّ الله عليكم : حيث قوى نور الإيمان في قلوبكم ، وحبّبه لكم وأثابكم على العمل به.
وقيل : بل هي من تتمّة قوله : «تبتغون» عرض الحياة الدّنيا ؛ وذلك لأنّ القوم لما قتلوا من تكلّم بلا إله إلا الله ، ثم إنّه ـ تعالى ـ نهاهم عن هذا الفعل وبيّن أنه من العزائم ؛ قال بعده : (فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ) أي : منّ عليكم بأن قبل توبتكم من ذلك الفعل المنكر ، ثم أعاد الأمر بالتّبيين ؛ مبالغة في التّحذير ، فقال : «فتبينوا» قرئت (٥) كالتي قبلها ، فقيل : هي تأكيد لفظي للأولى.
وقيل : ليست للتأكيد ؛ لاختلاف متعلّقهما ، فإنّ تقدير الأوّل : «فتبيّنوا في أمر من تقتلونه» ، وتقدير الثّاني : فتبينوا نعمة الله أو تثبّتوا فيها ، والسّياق يدل على ذلك ، ولأنّ الأصل عدم التأكيد.
قوله : (إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) والجمهور على كسر همزة (إِنَّ اللهَ) ، وقرىء (٦) بفتحها على أنّها معمولة ل «تبينوا» ، أو على حذف لام العلّة ، وإن كان قد قرىء بالفتح مع التثبّت ، فيكون على لام العلّة لا غير.
والمراد منه : الوعيد والزّجر عن إظهار خلاف ما في الضّمير.
فصل : فيما إذا دخل الغزاة بلدا ووجدوا شعار الإسلام
إذا رأى الغزاة في بلد أو قرية شعار الإسلام ، فعليهم أن يكفّوا عنهم ، فإنّ النّبي صلىاللهعليهوسلم
__________________
(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٢ / ٣٥٩) وعزاه لعبد بن حميد عن قتادة.
(٢) سقط في أ.
(٣) سقط في ب.
(٤) في أ : الإسلام.
(٥) أي : فتثبتوا ـ بالثاء ـ وقد تقدمت.
(٦) ينظر : البحر المحيط ٣ / ٣٤٤ ، والدر المصون ٢ / ٤١٦.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ٦ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3097_allubab-fi-ulum-alkitab-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
