وقال : (هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ) [يوسف : ٨٩] وقال لنوح ـ عليهالسلام ـ : (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ) [هود : ٤٦].
وقال موسى لبني إسرائيل حين قالوا (أَتَتَّخِذُنا هُزُواً) [البقرة : ٦٧](أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ) [البقرة : ٦٧] والسّبب في إطلاق اسم الجاهل (١) على العاصي ؛ لأنّه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما أقدم على المعصية ، فصار كأنّه لا علم له.
وقال مجاهد : المراد من الآية العمد.
وقيل : أن يأتي بالمعصية مع العلم بكونها معصية ، إلّا أنه يكون جاهلا بقدر عقابه.
وقيل : أن يأتي بالمعصية مع أنه لا يعلم كونها معصية لكنه يتمكن من العلم بكونها معصية ، كاليهودي يستحق العقاب على يهوديته ، وإن كان لا يعلم كون اليهوديّة معصية إلّا أنه كان متمكنا من تحصيل العلم بكون اليهوديّة ذنبا (٢) ومعصية ، وكفى ذلك في ثبوت استحقاق العذاب ، ويخرج من هذا النّائم والسّاهي ، فإنّه لو أتى بالقبيح لكنّه [ما كان متمكنا](٣) من العلم بكونه قبيحا.
فصل
استدلّ القاضي بهذه الآية على أنّه يجب على الله عقلا قبول التّوبة ؛ لأنّ كلمة «على» للوجوب ؛ ولأنّا لو حملنا قوله : (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ) على مجرد القبول لم يبق بينه وبين قوله : (فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ) فرق ؛ لأن قوله هذا أيضا إخبار عن الوقوع ، [فإذا جعلنا الأوّل إخبارا عن الوجوب ، والثّاني إخبارا عن الوقوع](٤) ظهر الفرق بين الآيتين وزال التكرار.
والجواب أنّ القول بالوجوب على الله تعالى باطل لوجوه :
الأوّل : أنّ لازم الوجوب استحقاق الذّم عند الترك ، فهذه الملازمة إمّا أن تكون ممتنعة الثبوت في حقّ الله تعالى أو غير ممتنعة الثّبوت في حقّه ، والأوّل باطل ؛ لأنّ ترك الواجب لما كان مستلزما هذا الذّم ، وهذا الذّم محال الثّبوت في حقّ الله تعالى وجب أن يكون ذلك الترك ممتنع الثبوت في حقّ الله تعالى ، وإذا كان الترك ممتنع الثبوت عقلا كان الفعل واجب الثّبوت ، فحينئذ يكون الله تعالى موجبا بالذّات لا فاعلا بالاختيار وذلك باطل ، وإن كان استحقاق الذّمّ غير ممتنع الحصول في حقّ الله تعالى ، فكلّ ما كان ممكنا لا يلزم من فرضه محال ، فيلزم أن يكون الإله مع كونه إلها يكون موصوفا باستحقاق الذّم وذلك محال لا يقوله عاقل ، فثبت أنّ القول بالوجوب على الله تعالى محال.
__________________
(١) في أ : الجهل.
(٢) في ب : دينا.
(٣) في أ : يتمكن.
(٤) سقط في ب.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ٦ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3097_allubab-fi-ulum-alkitab-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
