قوله : (مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ) كلاهما متعلق ب «جاءكم» والباء تحتمل المعية والتعدية ، أي : مصاحبين للآيات.
فصل في رد شبهة الطاعنين في النبوة
هذه شبهة ثانية طعن بها الكفار في نبوته صلىاللهعليهوسلم وتقريرها : أنك يا محمد ـ لم تفعل كذلك ، فوجب ألا تكون نبيا ، قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في كعب بن الأشرف ، ومالك بن الصّيف وكعب بن أسد ، ووهب بن يهوذا وزيد بن التابوت ، وفنحاص بن عازوراء ، وحييّ بن أخطب ، أتوا النبي صلىاللهعليهوسلم فقالوا : يا محمد تزعم أن الله بعثك إلينا رسولا ، وأنزل عليك كتابا ، وقد عهد الله إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه جاء من عند الله ، حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، فإن جئتنا به صدّقناك ، فأنزل الله هذه الآية (١).
والقربان : كل ما يتقرّب به العبد إلى الله ـ تعالى ـ من نسيكة ، وصدقة ، وعمل صالح.
قال الواحديّ : وأصله المصدر من قولك : قرب قربانا ـ كالكفران والرّجحان والخسران ـ ثم سمي به نفس المتقرّب به ومنه قوله صلىاللهعليهوسلم لكعب بن عجرة ـ : «يا كعب ، الصّوم جنّة ، والصّلاة قربان» (٢).
قال القرطبيّ : «وهو فعلان ـ من القربة ـ ويكون اسما ، ومصدرا. فمثال الاسم : السّلطان والبرهان ومثال المصدر : العدوان والخسران».
فصل في بيان ادعاء اليهود
واختلفوا فيما ادّعاه اليهود.
فقال السّدّيّ : إن هذا الشرط جاء في التوراة ، ولكنه مع شرط ، وذلك أنه ـ تعالى ـ قال في التوراة : من جاءكم يزعم أنه رسول الله ، فلا تصدقوه ، حتى يأتيكم بقربان تأكله النار ، إلا المسيح ومحمد ، فإنهما إذا أتيا فآمنوا بهما ؛ فإنهما يأتيان بقربان لا تأكله النّار ، قال : وكانت هذه العادة باقية إلى مبعث المسيح ـ عليهالسلام ـ فلما بعث المسيح ارتفعت وزالت.
وقال آخرون : إن ادعاء هذا الشرط كذب على التّوراة ، لأن القربان لم يكن في معجزات موسى وعيسى ـ عليهماالسلام ـ وأيضا فإنه إذا كانت هذه معجزة ، فلا فرق بينها وبين باقي المعجزات ، فلم يكن لتخصيصها بالذكر فائدة.
__________________
(١) ينظر : الدر المصون ٢ / ٢٧٦.
(٢) انظر أسباب النزول للواحدي (٩٩) وتفسير البغوي (١ / ٤٦) وغرائب النيسابوري (٤ / ١٥٥) وتفسير الرازي (٩ / ١٢١) وتفسير القرطبي (٤ / ١٨٨ ـ ١٨٩) والبحر المحيط لأبي حيان (٣ / ١٣٧).
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ٦ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3097_allubab-fi-ulum-alkitab-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
