فصل
ومعنى الآية : حتى يميز المنافق من المخلص ، وقد ميّزهم يوم أحد ؛ حيث أظهروا النفاق ، وتخلّفوا عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم.
فإن قيل : إنّ التمييز إن ظهر وانكشف ، فقد ظهر كفر المنافقين ، وظهور كفرهم ينفي كونهم منافقين ، وإن لم يظهر لم يحصل الوعد.
فالجواب : أنه ظهر بحيث يفيد (١) الامتياز الظنّيّ ، لا الامتياز القطعيّ.
قال قتادة : حتّى يميز المؤمن من الكافر بالهجرة والجهاد (٢).
قال الضّحّاك : «ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه» في أصلاب الرّجال ، وأرحام النّساء ، يا معشر المنافقين ، حتّى يفرق بينكم وبين من في أصلابكم ، وأرحام نسائكم من المؤمنين (٣).
وقيل : (حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ) وهو الذنب «من الطّيّب» وهو المؤمن ، يعني يحطّ الأوزار عن المؤمنين بما يصيبهم من نكبة ومحنة ومصيبة.
وقيل : الخبيث : هو الكفر ، أذلّه الله وأخمده ، وأعلى الإسلام وأظهره ، فهذا هو التمييز.
قوله : (وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ) ومعناه : أنه لا يجوز أن يطلعكم على أصل ذلك التمييز ، فيقول : إنّ فلانا منافق ، وإن فلانا مؤمن ؛ فإن سنّة الله جارية بأنه لا يطلع عوامّ الناس على غيبه ، ولا سبيل لكم إلى معرفة ذلك الامتياز إلا بالامتحانات ووقوع المحن والآفات ـ كما ذكرنا ـ وأما معرفة ذلك على سبيل الاطلاع على الغيب ، فذلك من خواصّ الأنبياء ، فلهذا قال : (وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ) فيخصهم بإعلام أن هذا مؤمن ، وهذا منافق ، نظيره قوله تعالى : (عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ) [الجن : ٢٦ ، ٢٧].
ويحتمل أن يكون المعنى : وما كان الله ليجعلكم كلّكم عالمين بالغيب كعلم الرسول ، فتنشغلوا عن الرسول ، بل الله يخص من يشاء من عباده ، ثم يكلّف الباقين طاعة هذا الرسول.
قوله : (وَلكِنَ) هذا استدراك من معنى الكلام المتقدم ؛ لأنه تعالى ـ لما قال : (وَما
__________________
(١) في أ : يعتمد.
(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٧ / ٤٢٥) عن قتادة وزاد نسبته السيوطي في «الدر المنثور» (٢ / ٨٣) لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٣) ذكره القرطبي في «تفسيره» (٤ / ١٨٤) عن الضحاك.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ٦ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3097_allubab-fi-ulum-alkitab-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
