ذكرنا سابقا ـ وإنما الكلام في وقوع مثل هذا الشيء ، فالاستدلال بهذه الآية علی الوقوع غير صحيح البتة ، لأنها تبدأ بـ (ما) التي تفيد الشرط ، وغاية ما يستفاد منها هو وجوب تحقق الجزاء عند تحقق الشرط .
ولننقل كلمات علماء السنة في هذا الأمر ، قال الفخر الرازي في تفسيره الكبير : واعلم إنا بعد أن قررنا هذه الجملة في كتاب المحصول في أُصول الفقه تمسكنا في وقوع النسخ بقوله تعالی : (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) (١) والاستدلال به ضعيف أيضاً لأن (ما) هاهنا تفيد الشرط والجزاء وكما أن قولك (ومن جاءك فأكرمه) لا يدل علی حصول المجيء بل علی أنه متی جاء وجب الإكرام ، فكذا هذه الآية لا تدل علی حصول النسخ بل علی أنه متی حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه (٢) .
وقال في مباحث في علوم القرآن : ومعنی هذا أن النسخ الذي أشارت إليه الآية الكريمة ، ليس لازماً أن يقع ، وإنما وقوعه أمر احتمالي ، يشهد له الواقع أو لا يشهد ، فإن شهد له اعتُبر وإلّا فلا . فأساليب الشرط في القرآن قد لا يراد وقوعها ، أو تحقيق جوابها ، ومن ذلك قوله سبحانه : (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ) (٣) (٤) .
وقال في قضايا القرآن عند كلامه حول آية النسخ : وإذ ننظر في وجه الآية
___________
(١) البقرة : ١٠٦ .
(٢) التفسير الكبير ٣ : ٢٢٩ ، ط . دار الكتب العلمية الثانية .
(٣) الحاقة : ٤٤ ـ ٤٦ .
(٤) مباحث في علوم القرآن : ٢٥٤ .
![إعلام الخلف [ ج ٢ ] إعلام الخلف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3056_elam-alkhalaf-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
