وأئمة القرّاء لا تعمل في شيء من حروف القرآن علی الأفشی في اللّغة والأقيس في العربية ، بل علی الأثبت في الأثر ، والأصح في النّقل ، والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردّها قياس عربية ولا فشو لغة لأن القراءة سنّة متّبعة يلزم قبولها والمصير إليها . أنظر إلی هذا التزمُّت والاختيار التقليدي المحض ، فهو إن دلّ علی شيء فإنما يدل علی مبلغ ضغط التحميل المذكور (١) .
وما أراده الداني من قوله هو أن هذه الأركان والشروط تقاس بها كل قراءة في دنيا المسلمين إلا قراءة القرّاء السبعة فقد جازت القنطرة استثناءً وبلا تطبيق لتلك الشروط عليها ، بل الشروط نفسها تنخرم وتنفصم عراها أمام قراءة أحدهم ! ولكن لنسائلهم ، ما هو مستند هذا الاستثناء ؟ ومن أي كتاب منزل أم من أية سنة جاءت هذه الامتيازات ؟!
___________
(١) تلخيص التمهيد : ٣٥٩ ، ط . دار الميزان ، أقول : وهذا ديدن القوم الذين لم يتخلوا عنه يوما ما ، فمن السقيفة إلی يومنا وهم يحاولون تنظيف التاريخ المزري وما حدث فيه من مخازي ، ومع كل تنظيف يسقط شيء من الدين ! فهاهم يقولون بكفاية بيعة اثنين من أهل الحل والعقد لتعيين خليفة المسلمين ، ولو بحثت في الكتاب والسنة لما وجدت أثرا لهذا ، وما قالوا به إلا تصحيحا لمبايعة عمر وأَبي عبيدة لأبي بكر بالخلافة ، وعدم عملهم بهذا الفكر عندما تتحقق شروطه دليل دامغ علی أنه ابتدع للتصحيح فقط ، فمثلا في وقتنا قامت ميليشيا تسمی بطالبان ـ التي تسبح الوهابية بحمدها وتقدس لها ـ بالسيطرة علی أفغانستان ، وقد بويع لزعيمها بإمرة المؤمنين من قبل آلاف من أهل الحل والعقد في نظر الوهابية ومع ذلك لم تقر الوهابية له بإمرة المؤمنين ! ، فلماذا تنازلوا عن فقههم ومرتكزاتهم ؟! .
![إعلام الخلف [ ج ٢ ] إعلام الخلف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3056_elam-alkhalaf-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
