وقال بعض الناس : لم يكتب عبد الله المعوِّذتين ؛ لأنّه أمن عليهما من النسيان ، فأسقطهما وهو يحفظهما ، كما أسقط فاتحة الكتاب من مصحفه ، وما يُشكّ في حفظه وإتقانه لها . فرُدّ هذا القول علی قائله وأقبح عليه بأنّه قد كتب : (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّـهِ وَالْفَتْحُ) و (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) (قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ) وهنّ يجرين مجری المعوذتين في أنهن غير طوال ، والحفظ إليهن أسرع ونسيانهن مأمون ، وكلّهن يخالف فاتحة الكتاب إذ الصلاة لا تتم إلّا بقراءتها ، وسبيل كل ركعة أن تكون المقدّمة فيها قبل أن يقرأ من بعدها فإسقاط فاتحة الكتاب من المصحف علی معنی الثقة ببقاء حفظها والأمن من نسيانها صحيح ، وليس من السور ما يجري في هذا المعنی مجراها ، ولا يسلك به طريقها ، وقد مضی هذا المعنی في سورة الفاتحة والحمد لله (١) .
ثم ذكر القرطبي في موضع آخر من تفسيره تأويلاً يتخلص به من إشكال الكفر الذي ذكره الفخر الرازي ، فعن يزيد بن هارون أنه قال :
المعوّذتان بمنزلة البقرة وآل عمران ، من زعم أنهما ليستا من القرآن فهو كافر بالله العظيم ، فقيل له : فقول عبد الله بن مسعود فيهما ؟ فقال : لا خلاف بين المسلمين في أن عبد الله بن مسعود مات وهو لا يحفظ القرآن كله (٢) .
وهذه أوهن من بيت العنكبوت ، لمناقضتها للأحاديث التي لا كلام عندهم في صحّتها من أن ابن مسعود كانت قراءته آخر قراءة ، والرسول صلی
___________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢٠ : ٢٥١ .
(٢) الجامع لأحكام القرآن ١ : ٥٣ .
![إعلام الخلف [ ج ٢ ] إعلام الخلف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3056_elam-alkhalaf-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
