ونحن يمكننا الإجابة عن الإشكال بجواب بسيط جدا وهو أنه يجب التنبه إلی أن حصر القراءات وتعيين قرّائها كان علی يد رجل سني اسمه ابن مجاهد وقد أخطأ خطاً فادحا عندما خصص القراءة المتواترة بشخص أو شخصين رجاء ذكر إسنادها لها إلی الرسول صلی الله عليه وآله وسلم ! ، فتخصيصه هذا لا يعني أن عاصما كان الوحيد الذي كان يقرأ بهذه القراءة ، وإلا فلا يعقل أن تكون قراءة المسلمين في شتی بقاع المعمورة مأخوذة منه ومن رجال إسناده فما كان فعل ابن مجاهد إلا مجرد ترف وأمر شكلي لا يعبر عن واقع قراءة المسلمين .
ومن أشد الأغلاط حصر المشهور والمتواتر عند الجميع بفلان وفلان وذكر إسنادٍ له أحادي ، بل من غير اللائق ذكر طرق عن عشرة أو عن عشرين لمثل إثبات أن ما يقرأ به المسلمون اليوم هو نفس ما كان يقرأ به رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم ، فهذا حاله كحال من يطلب الإسناد لإثبات أن غار حراء الموجود الآن هو نفسه الغار الذي نزل فيه الوحي أول مرة (١) .
___________
(١)
وقد ذكر الشيخ المحقق محمد هادي معرفة حفظه الله سبب تخصيص ابن مجاهد للقراءة
المتواترة بشخص عاصم ، فقال في تلخيص التمهيد : ٣٢٩ : (إنّ قراءة حفص كانت هي قراءة عامّة المسلمين ، وأنّ النسبة مقلوبة حيث كان حفص وشيخه عاصم حريصين علی الالتزام
بما وافق قراءة العامّة والرواية الصحيحة المتواترة بين المسلمين ، وهي القراءة التي أخذها
عاصم عن شيخه أبي عبد الرحمان السلمي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، ولم يكن علي
عليه السلام يقرأ إلا ما وافق نصّ الوحي الأصل المتواتر بين المسلمين ... إن عاصما بين
القرّاء
![إعلام الخلف [ ج ٢ ] إعلام الخلف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3056_elam-alkhalaf-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
