المبحث الرابع : إنه إذا سلم أن الصيغة لا تكون حقيقة في الوجوب ، هل لا تكون ظاهرة فيه أيضاً أو تكون ؟ قيل بظهورها فيه ، إما لغلبة الاستعمال فيه ، أو لغلبة وجوده أو أكمليته ، والكل كما ترى ، ضرورة أن الاستعمال في الندب وكذا وجوده ، ليس بأقل لو لم يكن بأكثر . وأما الأكملية فغير موجبة للظهور ، إذ الظهور لا يكاد يكون إلا لشدة أنس اللفظ بالمعنى ، بحيث يصير وجهاً له ، ومجرد الأكملية لا يوجبه ، كما لا يخفى ، نعم فيما كان الأمر بصدد البيان ، فقضية مقدمات الحكمة هو الحمل على الوجوب ، فإن الندب كأنه يحتاج إلى مؤونة بيان التحديد والتقييد ، بعدم المنع من الترك ، بخلاف الوجوب ، فإنه لا تحديد فيه للطلب ولا تقييد ، فإطلاق اللفظ وعدم تقييده مع كون المطلق في مقام البيان ، كاف في بيانه ، فافهم .
المبحث الخامس : إن إطلاق الصيغة هل يقتضي كون الوجوب توصليّاً ، فيجزي إتيانه مطلقاً ، ولو بدون قصد القربة ، أو لا ؟ فلا بد من الرجوع فيما شك في تعبديته وتوصليته إلى الأصل .
لا بد في تحقيق ذلك من تمهيد مقدمات :
إحداها : الوجوب التوصلي ، هو ما كان الغرض منه يحصل بمجرد حصول الواجب ، ويسقط بمجرد وجوده ، بخلاف التعبدي ، فإن الغرض منه لا يكاد يحصل بذلك ، بل لا بد ـ في سقوطه وحصول غرضه ـ من الإِتيان به متقرباً به منه تعالى .
ثانيتها : إن التقرب المعتبر في التعبدي ، إن كان بمعنى قصد الامتثال والإِتيان بالواجب بداعي أمره ، كان مما يعتبر في الطاعة عقلاً ، لا مما أخذ في نفس العبادة شرعاً ، وذلك لاستحالة أخذ ما لا يكاد يتأتى إلا من قبل الأمر بشيء في متعلق ذاك الأمر مطلقاً شرطاً أو شطراً ، فما لم تكن نفس الصلاة متعلقة للأمر ، لا يكاد يمكن إتيانها بقصد امتثال أمرها .
