فإنه يقال : حيث أنه بذاك العنوان لاختص بما لم يعلم ورود النهي عنه أصلاً ، ولا يكاد يعم ما إذا ورد النهي عنه في زمان ، وإباحته (١) في آخر ، واشتبها من حيث التقدم والتأخر .
لا يقال : هذا لولا عدم الفصل بين أفراد ما اشتبهت حرمته .
فإنه يقال : وإن لم يكن بينها الفصل ، إلا أنه إنما يجدي فيما كان المثبت للحكم بالإِباحة في بعضها الدليل ، لا الأصل ، فافهم .
وأما الإِجماع : فقد نقل (٢) على البراءة ، إلا أنه موهون ، ولو قيل باعتبار الإِجماع المنقول في الجملة ، فإن تحصيله في مثل هذه المسألة مما للعقل إليه سبيل ، ومن واضح النقل عليه دليل ، بعيد جدّاً .
وأما العقل : فإنه قد استقل بقبح العقوبة والمؤاخذة على مخالفة التكليف المجهول ، بعد الفحص واليأس عن الظفر بما كان حجة عليه ، فإنهما بدونها عقاب بلا بيان ومؤاخذة بلا برهان ، وهما قبيحان بشهادة الوجدان .
ولا يخفى أنه مع استقلاله بذلك ، لا احتمال لضرر العقوبة في مخالفته ، فلا يكون مجال ها هنا لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل ، كي يتوهم أنها تكون بياناً ، كما أنه مع احتماله لا حاجة إلى القاعدة ، بل في صورة المصادفة استحق العقوبة على المخالفة ولو قيل بعدم وجوب دفع الضرر المحتمل .
وأما ضرر غير العقوبة ، فهو وإن كان محتملاً ، إلا أن المتيقن منه فضلاً عن محتمله ليس بواجب الدفع شرعاً ولا عقلاً ، ضرورة عدم القبح في تحمل بعض المضار ببعض الدواعي عقلاً وجوازه شرعاً ، مع أن احتمال الحرمة أو الوجوب لا
____________________________
(١) في « ب » : إباحة .
(٢) راجع الوجه الثاني من وجوه التقرير الثاني للإِجماع على حجية البراءة في كلام الشيخ ( قده ) فرائد الأصول / ٢٠٢ .
