بالظن أو بالأقربية إلى الواقع ، ضرورة أن قضية ذلك تقديم الخبر الذي ظن صدقه أو كان أقرب إلى الواقع منهما ، والتخيير بينهما إذا تساويا ، فلا وجه لإِتعاب النفس في بيان أن أيّها يقدم أو يؤخر إلا تعيين أن أيها يكون فيه المناط في صورة مزاحمة بعضها مع الآخر .
وأما لو قيل بالاقتصار على المزايا المنصوصة فله وجه لما يتراءى من ذكرها مرتباً في المقبولة (١) والمرفوعة (٢) ، مع إمكان أن يقال : إن الظاهر كونهما كسائر أخبار الترجيح بصدد بيان أن هذا مرجح وذاك مرجح ، ولذا اقتصر في غير واحد منها على ذكر مرجح واحد ، وإلا لزم تقييد جميعها على كثرتها بما في المقبولة ، وهو بعيد جداً ، وعليه فمتى وجد في أحدهما مرجح وفي الآخر آخر منها ، كان المرجع هو إطلاقات التخيير ، ولا كذلك على الأول بل لا بد من ملاحظة الترتيب ، إلا إذا كانا في عرض واحد .
وانقدح بذلك أن حال المرجح الجهتي حال سائر المرجحات ، في أنه لا بد في صورة مزاحمته مع بعضها من ملاحظة أن أيهما فعلاً موجب للظن بصدق ذيه بمضمونه ، أو الأقربية كذلك إلى الواقع ، فيوجب ترجيحه وطرح الآخر ، أو أنه لا مزية لأحدهما على الآخر ، كما إذا كان الخبر الموافق للتقية بما له من المزية مساوياً للخبر المخالف لها بحسب المناطين ، فلا بد حينئذ من التخيير بين الخبرين ، فلا وجه لتقديمه على غيره ، كما عن الوحيد البهبهاني (٣) ـ قدس سره ـ وبالغ فيه
____________________________
(١) التهذيب ٦ / ٣٠١ ، الباب ٩٢ ، الحديث ٥٢ .
(٢) الكافي ١ / ٦٧ ، باب اختلاف الحديث ، الحديث ١٠ .
(٣) راجع ملاحظات الفريد على فوائد الوحيد ( ره ) / ١٢٠ في الفائدة ٢١ .
المولىٰ محمد باقر بن محمد أكمل البهبهاني مروج المذهب رأس الماة الثالثة تولد سنة ١١١٨ في اصفهان وقطن برهة في بهبهان ، ثم انتقل الى كربلا ونشر العلم هناك ، صنف ما يقرب من ستين كتاباً . منها شرحه على المفاتيح وحواشيه على المدارك وعلى المعالم وغير ذلك توفي في الحائر الشريف سنة ١٢٠٨ هـ ( الكنى والالقاب ٢ / ٩٧ ) .
