البقاء لا في الحدوث ، فيكفي الشك فيه على تقدير الثبوت ، فيتعبّد به على هذا التقدير ، فيترتب عليه الأثر فعلاً فيما كان هناك أثر ، وهذا هو الأظهر ، وبه يمكن أن يذبّ عمّا في استصحاب الأحكام التي قامت الأمارات المعتبرة على مجرد ثبوتها ، وقد شك في بقائها على تقدير ثبوتها ، من الإِشكال بأنه لا يقين بالحكم الواقعي ، ولا يكون هناك حكم آخر فعلي ، بناءً على ما هو التحقيق (١) ، من أن قضيّة حجيّة الأمارة ليست إلا تنجّز التكاليف مع الإِصابة والعذر مع المخالفة ، كما هو قضيّة الحجّة المعتبرة عقلاً ، كالقطع والظن في حال الانسداد على الحكومة ، لا إنشاء أحكام فعلية شرعية ظاهرية ، كما هو ظاهر الأصحاب .
ووجه الذبّ بذلك ؛ إنّ الحكم الواقعي الذي هو مؤدّى الطريق حينئذ محكوم بالبقاء ، فتكون الحجة على ثبوت حجة على بقائه تعبّداً ؛ للملازمة بينه وبين ثبوته واقعاً .
إن قلت : كيف ؟ وقد أخذ اليقين بالشيء في التعبّد ببقائه في الأخبار ، ولا يقين في فرض تقدير الثبوت .
قلت : نعم ، ولكن الظاهر أنه أُخذ كشفاً عنه ومرآةً لثبوته ليكون التعبّد في بقائه ، والتعبد مع فرض ثبوته إنما يكون في بقائه ، فافهم .
الثالث : إنّه لا فرق في المتيقّن السابق بين أن يكون خصوص أحد
____________________________
(١) وأمّا بناء على ما هو المشهور من كون مؤديات الأمارات أحكاماً ظاهرية شرعية ، كما اشتهر أن ظنيّة الطريق لا ينافي قطعية الحكم ، فالاستصحاب جارٍ ، لأن الحكم الذي أدّت إليه الأمارة محتمل البقاء لإِمكان إصابتها الواقع ، وكان مما يبقى ، والقطع بعدم فعليته ـ حينئذ ـ مع احتمال بقائه لكونها بسبب دلالة الأمارة ، والمفروض عدم دلالتها إلا على ثبوته ، لا على بقائه ، غير ضائر بفعليته الناشئة باستصحابه ، فلا تغفل ( منه قدّس سرّه ) .
