توجب الاختلاف في المهم ، وإلا لكثرت تقسيماته لكثرة الخصوصيات ، ولا اختلاف فيه ، فإن ما رتّبه عليه من وجوب المقدمة فعلاً ـ كما يأتي ـ إنما هو من أثر إطلاق وجوبه وحاليّته ، لا من استقباليّة الواجب ، فافهم .
ثم إنه ربما حكي عن بعض أهل النظر (١) من أهل العصر إشكال في الواجب المعلق ، وهو أن الطلب والإِيجاب ، إنما يكون بأزاء الإرادة المحركة للعضلات نحو المراد ، فكما لا تكاد تكون الإِرادة منفكة عن المراد ، فليكن الإِيجاب غير منفك عما يتعلق به ، فكيف يتعلق بأمر استقبالي ؟ فلا يكاد يصح الطلب والبعث فعلاً نحو أمر متأخر .
قلت : فيه أن الإِرادة تتعلق بأمر متأخر استقبالي ، كما تتعلق بأمر حالي ، وهو أوضح من أن يخفى على عاقل فضلاً عن فاضل ؛ ضرورة أن تحمّل المشاق في تحصيل المقدمات ـ فيما إذا كان المقصود بعيد المسافة وكثير المؤونة ـ ليس إلا لأجل تعلق إرادته به ، وكونه مريداً له قاصداً إياه ، لا يكاد يحمله على التحمل إلا ذلك ، ولعل الذي أوقعه في الغلط ما قرع سمعه من تعريف الإِرادة بالشوق المؤكد المحرِّك للعضلات نحو المراد ، وتوهم أن تحريكها نحو المتأخر مما لا يكاد ، وقد غفل عن أن كونه (٢) محركاً نحوه يختلف حسب اختلافه ، في كونه مما لا مؤونة له كحركة نفس العضلات ، أو مما له مؤونة ومقدمات قليلة أو كثيرة ، فحركة العضلات تكون أعم من أن تكون بنفسها مقصودة أو مقدمة له ، والجامع أن يكون نحو المقصود ، بل مرادهم من هذا الوصف ـ في تعريف الارادة ـ بيان مرتبة الشوق الذي يكون هو الإِرادة ، وإن لم يكن هناك فعلاً تحريك ؛ لكون المراد وما اشتاق إليه كمال الاشتياق أمراً استقبالياً غير محتاج إلى تهيئة مؤونة أو تمهيد مقدمة ، ضرورة أن شوقه إليه ربما يكون أشد من الشوق
____________________________
(١) هو المحقق النهاوندي ، تشريح الاصول .
(٢) والصحيح « كونها » .
