قلت : هاهنا أيضاً مستند إلى عدم قدرة المغلوب منهما في إرادته ، وهي مما لا بد منه في وجود المراد ، ولا يكاد يكون بمجرد الإِرادة بدونها لا إلى وجود الضد ، لكونه مسبوقاً بعدم قدرته ـ كما لا يخفى ـ غير سديد ، فإنه وإن كان قد ارتفع به الدور ، إلا أنه غائلة لزوم توقف الشيء على ما يصلح أن يتوقف عليه على حالها ، لاستحالة أن يكون الشيء الصالح لأن يكون موقوفا عليه [ الشيء ] (١) موقوفا عليه ، ضرورة أنه لو كان في مرتبة يصلح لأن يستند إليه ، لما كاد يصح أن يستند فعلاً إليه .
والمنع عن صلوحه لذلك بدعوى : أن قضية كون العدم مستنداً إلى وجود الضد ، لو كان مجتمعاً مع وجود المقتضي ، وإن كانت صادقة ، إلا أن صدقها لا يقتضي كون الضد صالحاً لذلك ، لعدم اقتضاء صدق الشرطية صدق طرفيها ، مساوق (٢) لمنع مانعية الضد ، وهو يوجب رفع التوقف رأساً من البين ؛ ضرورة أنه لا منشأ لتوهم توقف أحد الضدين على عدم الآخر ، إلا توهّم مانعية الضد ـ كما أشرنا إليه ـ وصلوحه لها .
إن قلت : التمانع بين الضدين كالنار على المنار ، بل كالشمس في رابعة النهار ، وكذا كون عدم المانع مما يتوقف عليه ، مما لا يقبل الإِنكار ، فليس ما ذكر إلا شبهة في مقابل البداهة .
____________________________
(١) أثبتناها من « ب » .
(٢) مع أن حديث عدم اقتضاء صدق الشرطية لصدق طرفيها ، وإن كان صحيحاً ، إلا أن الشرطية ـ هاهنا ـ غير صحيحة ، فإن وجود المقتضي لضد ، لا يستلزم بوجه استناد عدمه الى ضده ، ولا يكون الاستناد مترتباً على وجوده ؛ ضرورة أن المقتضي لا يكاد يقتضي وجود ما يمنع عما يقتضيه أصلاً كما لا يخفى ، فليكن المقتضي لاستناد عدم الضد الى وجود ضده فعلاً عند ثبوت مقتضي وجوده ، هي الخصوصية التي فيه الموجبة للمنع عن اقتضاء مقتضيه ، كما هو الحال في كل مانع ، وليست في الضد تلك الخصوصية ، كيف ؟ وقد عرفت أنه لا يكاد يكون مانعاً إلا على وجه دائر ، نعم إنّما المانع عن الضد هو العلة التامة لضدّه ، لاقتضائها ما يعانده وينافيه ، فيكون عدمه كوجود ضدّه مستنداً إليها ، فافهم ( منه قدس سرّه ) .
