فإن قلنا بالأوّل اقتضى الأمر الأوّل الفعل في جمیع الأزمان.
وإن قلنا بالثانی لم یقتضیه. فالمسألة لغویة.
احتج الأوّلون : بأن لفظة "افعل" یقتضی کون المأمور فاعلاً مطلقاً، وهو یوجب بقاء الأمر ما لم یصر المأمور فاعلاً.
ویقتضی أیضاً وجوب المأمور به ، ووجوبه یقتضی کونه على الفور، وإذا أمکن الجمع بین موجبیهما لم یکن لنا إبطال أحدهما، وقد أمکن الجمع بأن یوجب الفعل في أوّل أوقات الإمکان ؛ کی لا ینتقض وجوبه ، فإن لم یفعله أو جبناه في الثانی ؛ لأنّ مقتضى الأمر کون المأمور فاعلاً ولم یحصل بعد(١).
واحتج أبو عبد الله : بأن مطلق الأمر یقتضی إیقاع الفعل في الثانی ، فلم یتناول إیقاعه في الثالث؛ لأنّه یتناول فعلاً واحداً ، والفعل المختص بالثانی غیر المختص بالثالث ؛ لأن أفعال العباد لا یجوز علیها التقدیم والتأخیر (٢).
وأجاب أبو الحسین : بأنّ أفعال العباد إن کان هذه سبیلها فإن الأمر لم یتناول تلک الأعیان ، وإنّما یتناول ما له صورة یمیّزها المکلّف ، فإذا أمر الله تعالى بالحج فقد أمر بأفعال لها صفة (٣) مخصوصة ، سواء وقعت في هذا الوقت أو غیره ، وإذا کان کذلک وکان الأمر لا یتخصص بالأوقات علمنا أنه یتناول ما اختص بتلک الصورة من الأفعال المختصة بتلک الأوقات ، فإذا بان أن الوجوب یفيد الفور بان أنّه قد اختص بالأمر ما یقتضی الفور وما یقتضی التأخیر ، ولا یمکن الجمع بینهما إلا على شرط المعصیة (٤).
__________________
(١) حکاه في المعتمد ١ : ١٤٦.
(٢) حکاه في المعتمد ١: ١٤٧.
(٣) في «م» : صورة.
(٤) المعتمد ١: ١٤٧.
![نهاية الوصول إلى علم الأصول [ ج ٢ ] نهاية الوصول إلى علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4705_Nahayah-Wosoul-part02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
