وأمّا التوقّف وعدم الالتزام بحكم ظاهريّ شرعيّ (١) ؛ فلأنّه لا ينفكّ عن
__________________
(١) قال السيّد المجدّد الشيرازي قدسسره :
« بمعنى عدم الحكم بأنّ الله قد أباح كلاّ من الفعل والترك ظاهرا أو واقعا ، بل نقول : إنه تعالى لم يبح شيئا في الظاهر وحكمه الواقعي أحد الأمرين من الوجوب أو الحرمة لكن العقل لمّا لاحظ انّه لا بدّ للمكلّف من أخذ الفعل أو الترك وانّه لا يمكنه الجمع بينهما وتركهما جميعا فلا يتمكّن من الإحتياط فحكم بانه لا حرج عليه لا في الفعل ولا في الترك وإلاّ لزم الترجيح بلا مرجّح.
وبالجملة : فالعقل مستقلّ هنا بقبح المؤاخذة على شيء من الفعل والترك فيستكشف منه الغاءه بكلا الإحتمالين بمعنى عدم تنجيزه شيئا منهما على المكلّف لو كان هو الحكم المعلوم بالإجمال ، ومناط حكم العقل على هذا إنّما هو عجز المكلّف من الإحتياط وعدم تمكّنه منه مع بطلان الترجيح بلا مرجّح ، كما انّ مناط حكمه بالبراءة الأصليّة في الشبهات البدويّة إنّما هو صرف الجهل بالواقعيّة من دون النظر إلى عدم التمكّن من الإحتياط ، وكما ان مناط حكمه بالأخذ بأحد الإحتمالين لا بعينه في المقام على القول به إنّما هو التحيّر فهو مخيّر في أوّل الأمر بين الأخذ بأيّهما شاء اذا لم يكن أحدهما راجحا على الآخر وبعد الأخذ يلزمه ما أخذه ولا يجوز مخالفته إذ يصير هو حينئذ على تقديره منجّزا على المكلف وهذا هو الفرق بين التخيير والإباحة.
ثم إنّ هذا الذي ذكرنا في معنى التخيير لا يفرّق فيه بين العقلي والشرعي ؛ إذ على الثاني إذا قال الشارع : أنت مخيّر بين الأخذ بأي الإحتمالين ، معناه : انه بعد الأخذ يتعيّن عليك ما أخذت به بمعنى انه على تقدير عليك ولست معذورا في مخالفته على تقديره ، فيكون قوله
![بحر الفوائد في شرح الفرائد [ ج ٤ ] بحر الفوائد في شرح الفرائد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F921_bahr-alfavaed-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
