ثم إنّ سيرة خاتم النبيين صلىاللهعليهوآلهوسلم خير دليل لنا ، وهو صلىاللهعليهوآلهوسلم كتم رسالته في مكة عشر سنين ثم أعلنها ثلاث سنين لا يطالب أهلها إلاّ بكلمة التوحيد ، هاتفا : قولوا لا إله إلاّ الله تفلحوا ، وسكت عن سائر عاداتهم الجاهليّة ، ومع ذلك هجموا عليه إلى الدار وأرادوا قتله ، ففرّ منهم مهاجرا إلى يثرب ، لأنّه لم يكن له أنصار في مكة يتمكنون من حمايته والذّبّ عنه. وقد قيل :
الفرار مما لا يطاق من سنن المرسلين.
والأعجب من هذا أنّه صلىاللهعليهوآلهوسلم حتى عند ما أصبح مقتدرا وحاكما ما تمكّن من تغيير ما كان يرى تغييره لازما.
الشيخ عبد السلام : هذا كلام غريب وأمر عجيب! كيف عجز رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم من تغيير ما كان يلزم تغييره؟!
قلت : هذا الأمر العجيب الغريب عندكم قد نقله بعض كبار أعلامكم منهم أحمد بن حنبل في المسند ، والعلاّمة الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت : قال لي رسول الله (ص) «يا عائشة! لو لا أنّ قومك حديثوا عهد بشرك ؛ لهدمت الكعبة ،
__________________
لا يتكلم. فقال له عمر : ألا تأمر فيه بأمرك!! فقال : لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه.
فلحق عليّ بقبر رسول الله (ص) يصيح ويبكي وينادي : يا (ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي).]
أقول : والحديث ذو شجون ، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
«المترجم»
