فإِيجاز القِصَر يكون بتَضمِين العبارات القصيرة معاني كثيرة من غير حذف كقوله تعالى : ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ) (١) فإنّ معناه كثير ، ولفظهُ يسير ، إذْ المراد أن الإِنسان إذا علم أنه متى قَتل قُتِلَ امتنع عن القتل ، وفي ذلك حياته وحياة غيره ، لأنَّ « القتل أنفَى للقتل (٢) » وبذلك تطول الأعمار ، وتكثر الذريّة ، ويُقبل كلُّ واحد على ما يعود عليه بالنّفع ، ويتم النِّظام ، ويكثر العُمران .
وهذا القسم مطمح نظر البلغاء ، وبه تتفاوت أقدارهم ، حتّى أنّ بعضهم سئل عن البلاغة فقال : هي « إيجاز القِصَر » وقال أكثم بن صَيْفي خطيب العرب « البلاغة الإِيجاز » .
وإيجاز الحذف يكون بحذف شيء من العبارة لا يخلّ بالفهم ، مع قرينة تُعيّن المحذوف ـ وذلك المحذوف إما أن يكون .
١ ـ حرفًا كقوله تعالى : ( وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ) (٣) ـ أصله ولم أكُنْ (٤) .
٢ ـ أو اسمًا مضافًا نحو ( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ) (٥) أي في سبيل الله .
٣ ـ أو إسمًا مضافًا إليه ـ نحو ( وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ ) (٦) أي بعشر ليال .
____________________
=
كل هذه مما تضيم النفس لما يحصل في تحملها من المشقة والعناء .
والسبب فيما له من الحسن والروعة دلالة قليل الألفاظ على كثير المعاني إلى ما فيه من الدلالة على التمكن في الفصاحة والبراعة . ولذا قال محمد الأمين « عليكم بالإيجاز فإنّ له إفهامًا . وللإِطالة استبهامًا » وقال آخر « القليل الكافي خير من كثير غير شاف » .
(١) سورة البقرة : الآية ١٧٩ .
(٢) لقد أثر ونُقل عن العرب قولهم « ألْقتلُ أنفَى للقتل » وأين هذا المثل من هذه الآية الشريفة التي تمتاز بوجوه ـ منها أنها كلمتان ، وما نُقِل عنهم أربع ـ ومنها أنه لا تكرار فيها . وفيما قالوه تكرار ـ ومنها أنه ليس كل قتل يكون نافيًا للقتل ، وإنما يكون كذلك إذا كان على جهة القصاص ـ ومنها حسن التأليف وشدة التلاؤم المدركان بالحسّ في الآية الكريمة التي بلغت حدّ الإعجاز ، فيما قالوه في مثلهم البسيط الذي لا يزيد عن متعارف الأوساط .
(٣) سورة مريم : الآية ٢٠ .
(٤) وكحذف لا في قول عاصم المنقري : [ الوافر ]
|
رأيت الخمر جامدة وفيها |
|
خصال تفسد الرجل الحليما |
|
فلا والله أشربها حياتي |
|
ولا أسقي بها أبدًا نديما |
يريد لا أشربها .
ويشترط في إيجاز الحذف أن يقوم دليل على المحذوف وإلّا كان الحذف رديئًا والكلام وغير مقبول .
|
(٥) سورة الحج : الآية ٧٨ . |
(٦) سورة الأعراف : الآية ١٤٢ . |
