المعنى الأصليّ والمعنى المجازيّ ، بحيث يكون المجاز مُصَوَّرًا للمعنى المقصود خيرَ تصوير ـ كما في إطلاق العين على الجاسُوس . والأذن على سريع التأثر بالوشاية . والخُفِّ والحافر على الجِمال والخيل في المجاز المرسل وكما في إسناد الشيء إلى سببه أو مكانه أو زمانه في المجاز العقليِّ . فإِن البلاغة توجبُ أن يُخْتَار السبب القويُّ ، والمكان والزمان المختصّان .
وإذا دَقّقت النظر رأيتَ أنَّ أغلب ضروب المجاز المرسل والعقلي لا تخلو من مبالغة بديعة ، ذات أثرٍ في جعل المجاز رائعًا خلّابًا ، فإِن إطلاق الكل على الجزء مبالغة ، ومثله إطلاق الجزء وإرادةُ الكل ، كما إذا قلت « فلان فَمٌ » تريد أنه شَرِهٌ يَلْتَقِمُ كلَّ شيء ، أو « فلان أنْف » عندما تريد أن تَصفُه بعِظَمِ الأنف ، فتبالغَ فتجعلَه كلّه أنْفًا ؟
ومما يُؤثر عن بعض الأُدباء في وصف رجل أنافِي (١) قوله : « لَسْتُ أَدْري أَهُوَ فِي أَنْفِهِ أَمْ أَنْفهُ فِيهِ » .
المبحث الثالث
في المجاز المفرد بالاستعارة
الاستعارة في اللغة من قولهم ، استعار المال إذا طلبه عارية .
وفي اصطلاح البيانيين ـ هي استعمال اللّفظ في غير ما وضع له لعلاقة المُشابهة بين المعنى المنقول عنه والمعنى المستعمل فيه ، مع قرينة صارفة عن إرادة المعنى الأصلي . والاستعارة ليست إلى تشبيهًا مختصرًا ؛ لكنها أبلغ منه (٢) كقولك ـ رأيت أسدًا في المدرسة . فأصل هذه الاستعارة « رَأيت رجلًا شجاعًا كالأسد في المدرَسة » فحذفت َالمشبه « رجلًا » والأَداة الكاف ـ ووجه التشبيه « الشجاعَة » وألحقتَه بقرينة « المدرسَة » لتدلّ على أنك تريد بالأسد شُجاعًا .
____________________
(١) الأنافيّ عظيم الأنف ، ـ عن البلاغة الواضحة .
(٢) فأصل الاستعارة تشبيه حُذِف أحد طرفيه ووجه شبهه وأداته ـ ولكنها أبلغ منه لأن التشبيه مهما تناهى في المبالغة ، فلا بد فيه من ذكر المشبه والمشبه به وهذا اعتراف بتباينهما . وإن العلاقة ليست إلا التشابه والتداني فلا تصل إلى الاتحاد بخلاف الاستعارة ففيها دعوى الاتحاد والامتزاج ، وإن المشبه والمشبه به صارا معنى واحدًا يصدق عليهما لفظ واحد ـ فالاستعارة مجاز علاقته المشابهة .
واعلم أنّ حسن الاستعارة « غير التخييلية » لا يكون إلا برعاية جهات التشبيه وذلك بأن يكون وافيًا بإفادة الغرض منه لأنها مبنية عليه فهي تابعة له حسنًا وقبحًا .
