الباب الخامس
في الإِطلاق (١) ـ والتّقييد
إذا اقتُصِرَ في الجملة على ذكر المسند إليه والمسند . فالحكم مطلقٌ والإِطلاق يكون حِينما لا يتعلّق الغرض بتقييد الحكم بوجه من الوجوه لِيذهبَ السّامع فيه كلّ مَذهبٍ مُمكِنٍ .
وإذا زيدَ عليهما شيءٌ ممّا يتعلّق بهما أو بأحدهما . فالحكم مُقيّدٌ والتّقييد يكون حِينما يتعلّق الغرض بتقييده بوجه مخصوص ، بحيث لو حُذف القيد لكان الكلام كذبًا ـ أو غيرَ مقصود ـ نحو ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) ) (٢) فلو حذف الحال وهو ( لَاعِبِينَ ) لكان الكلام كذبًا بدليل المشاهدة ـ ونحو ( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ) (٣) ، إذ لو حُذف « يكاد » لفات الغرض المقصود وهو إفادة المقاربة . وهلم جرَّا .
واعلم أن معرفة خواصِّ التراكيب وأسرار الأساليب وما فيها من دقيق الوضع ، وباهر الصنع ، ولطائف المزايا ، يسترعي لُبَّك إلى أنّ التّقييد بأحد الأنواع الآتية يكون لزيادة الفائدة وتقويتها عند السامع لما هو معروف من أنّ الحكم كلّما ازدادت قيوده ازداد إيضاحًا وتخصيصًا ، وحينئذٍ تكون فائدته أتمّ وأكمل .
والتّقييد يكون بالتوابع ، وضمير الفصل ؛ والنواسخ ، وأدوات الشرط والنفي والمفاعيل الخمسة ، والحال والتمييز ـ وفي هذا الباب جملة مباحث (٤) .
____________________
(١) الإطلاق والتقييد وصفان للحكم . فالإطلاق أن يقتصر في الجملة على ذكر المسند والمسند إليه حيث لا غرض يدعو إلى حصر الحكم ضمن نطاق معين بوجه من الوجوه ـ نحو : الوطن عزيز . والتقييد أن يزاد على المسند والمسند إليه شيء يتعلق بهما أو بأحدهما ممّا لو أغفل لفاتت الفائدة المقصودة ، أو كان الحكم كاذبًا نحو الولد النجيب يسرّ أهله .
|
(٢) سورة الدخان : الآية ٣٨ . |
(٣) سورة النور : الآية ٣٥ . |
(٤) اعلم أن التقييد يكون لتمام الفائدة لما تقرّر من أن الحكم كلّما زاد قيده زاد خصوصية ، وكلّما زاد خصوصية زادت فائدته لا فرق بين مسند إليه أو مسند أو غيرهما ، كما لا فرق بين تقييده بالتوابع أو غيرها .
