الباب الثامن
في الوصل والفصل
العلم بمواقع الجُمل ، والوقوف على ما ينبغي أن يصنع فيها من العطف والاستئناف والتّهدّي إلى كيفية إيقاع حروف العطف في مواقعها ، أو تركها عند عدم الحاجة إليها صعبُ المسلك ، لا يُوفّق للصّواب فيه إلّا مَن أوتي قسطًا وافرًا من البلاغة وطُبع على إدراك محاسنها ، ورُزق حظًّا من المعرفة في ذوق الكلام ، وذلك لغموض هذا الباب ودِقّة مسلكه ، وعظيم خطره ، وكثير فائدته ، يدلّ لهذا أنهم جعلوه حدًا للبلاغة ـ فقد سُئل عنها بعض البلغاء فقال : هي « معرفة الفصل والوصل » فالوصل عطف جملة على أخرى بالواو ونحوها ـ والفصل ترك هذا العطف (١) . والذي يَتكلّم
____________________
(١) اعلم أنه إذا
توالت الجملتان . لا يخلو الحال من أن يكون ـ للأولى محل من الإعراب ـ أوْ لَا . وإن كان لها محل من الإعراب فلا بد من أن يقصد تشريك الثانية لها في حكم الأعراب ـ
أو لا . فإن قصد التشريك عطفت الثانية عليها نحو ( وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ) [ آل عمران : ١٥٦ ] ـ وإلّا فصلت عنها نحو (
قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ
يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ )
[ البقرة : ١٤ ـ ١٥ ] . لم يعطف قوله الله يستهزىء بهم على ما قبله لئلا يشاركه في حكم المفعولية للقول وهو ليس
مما قالوه كما سيأتي ـ وإن لم يكن لها محل من الاعراب فإن كان لها حكم لم يقصد إعطاؤه للثانية
وجب الفصل ـ دفعًا للتشريك بينهما ـ نحو ( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ
قَوْمٍ هَادٍ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ ) [ الرعد : ٧ ـ ٨ ] ـ لم يعطف ( قوله الله يعلم ) على ما قبله لئلا يشاركه في حكم
القصر فيكون تعالى مقصورًا على هذا العلم ـ وإن لم يكن لها ذلك الحكم نحو : زيد خطيب وعمرو متشرع ـ
أو قصد إعطاء حكمها للثانية نحو إنما زيد كاتب وعمرو شاعر ، وجب الوصل كما رأيت ـ ما لم
تكن إحدى الجملتين مطلقًا منقطعة عن الأخرى انقطاعًا كاملًا بحيث لا يصلح ارتباطهما ـ
أو متصلة بها اتصالًا كاملًا بحيث لا تصح المغايرة بينهما ، فيجب الفصل لتعذر ارتباط المنقطعتين
بالعطف وعدم افتقار المتصلتين إلى ارتباط به . ويحمل شبه كل واحد من الكمالين عليه فيعطى
حكمه ـ واعلم أنه لا يقبل في العطف إلا عطف المتناسبات مفردة أو جملًا بالواو أو غيرها ، فالشرط
وجود جهة جامعة بين المتعاطفات ، فنحو الشمس والقمر والسماء والأرض ، محدثة ( مقبول
) ونحو الشمس والأرنب والحمار . محدثة ( غير مقبول ) لكن اصطلاحهم اختصاص الوصل والفصل بالجمل ، وبالواو ـ فلا يحسن الوصل إلا بين الجمل المتناسبة . لا المتحدة
ولا المتباينة . =
