واعلم أن الترشيح أبلغ من غيره لاشتماله على تحقيق المبالغة بتناسي التشبيه ، وادعاء أن المستعار له هو نفس المستعار منه « لا شيء شبيه به » وكأنّ الاستعارة غير موجودة ، والإطلاق أبلغ من التجريد ، فالتجريد أضعف الجميع ، لأنه به تضعف دعوى الاتحاد ، وإذا اجتمع ترشيح وتجريد فتكون الاستعارة في رتبة المطلقة إذ بتعارضها يتساقطان ، كما سبق تفصيله وكما يجري هذا التقسيم في التصريحية يجري أيضًا في المكنية .
المبحث العاشر
في المجاز المرسل المركب
المجاز المُرْسل المركب هو الكلام المُستعمل في غير المعنى الذي وضُع له ، لعلاقة غير المشابهة مع قَرِينة مانعة من إرادة معناها الأصلي ـ ويقع أولًا في المُركبات الخبرية المستعملة في الإنشاء وعكسه لإغراض كثيرة منها التحسُّر وإظهار التأسف كما في قول الشاعر :
[ الكامل ]
|
ذَهَبَ الصِّبا وتولَّت الأيامُ |
|
فعلى الصِّبا وعلى الزِّمان سلام |
فإِنّه وإن كان خبرًا في أصل وضعه إلا أنه في هذا المقام مستعمل في إنشاء التَّحسر والتحزُّن على ما فات من الشَباب ، والقرينة على ذلك الشطر الثاني ـ وكقول جعفر بن عُلبة الحارِثي :
[ الطويل ]
|
هَوَايَ مع الرَّكب اليمانينَ مُصْعَدُ |
|
جَنيبٌ وُجثماني بمكَّةَ مُوثَقُ |
فهو يشير إلى الأَسف والحزن الذي أَلَمَّ به من فراق الأَحبة .
ويتحسَّر على ما آل إليه أمره ، والقرينة على ذلك حال المتكلم ومنها إظهار الضّعف في قوله :
[ الكامل ]
|
رَبِّ إنِّي لا أستطيع اصطبارا |
|
فاعفُ عنِّي يا منْ يقبَل الْعثارَا |
ومنها إظهارُ السُّرور ، نحو كُتِبَ اسمي بين الناجحين .
ومنها الدعاء ـ نحو نجَّحَ الله مقاصدنا ـ أيُّها الوطن لك البقَاء .
وثانيًا في المركبات الإنشائيّة كالأمر والنهي والاستفهام التي خرجت عن معانيها الأصلية ، واستُعملت في معان أُخَر : كما في قوله عليه الصلاة والسلام « من كَذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النارِ » .
