كقوله تعالى : ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) ) (١) .
بهذه الآية القصيرة جمعت مكارم الأخلاق بأسرها ـ وكقوله تعالى ( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) (٢) وكقوله عليه السلام « إنما الأعمال بالنّيات » .
فإذا لم تَفِ العبارة بالغرض سمِّي « إخلالًا وحذفًا رديئًا » كقول اليشْكُرِي :
[ مجزوء الكامل ]
|
والعيش خيرٌ في ظِلا |
|
ل النُّوك ممّن عاش كَدَّا |
« مراده أن العيش النّاعم الرّغد في حال الحُمق والجهل خيرٌ من العيش الشّاقّ في حال العقل » لكن عبارته لا تفيد ذلك فيُضرب به عُرْض الحائط .
وينقسم الإِيجاز إلى قسمين . إيجاز قِصَرٍ ـ (٣) وإيجاز حذْف .
____________________
=
|
عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم |
|
ومقتلهم عند الوغى كان أعذارا |
يريد إذ يقتلون نفوسهم في السلم ـ لكن صوغ كلامه لا يدل عليه . ومثله قول بعضهم نثرًا ( فإن المعروف إذا زجا كان أفضل منه إذا وفر وأبطأ ) ولأجل تمام ما يريد كان عليه أن يقول ـ إذا قلّ وزجا .
واعلم أن متعارف الأوساط هم الذين لم يرتقوا إلى درجة البلغاء ولم ينحطوا إلى درجة البسطاء ، فهو الدستور الذي يُقاس عليه كل من الإيجاز والإطناب .
(١) سورة الأعراف : الآية ١٩٩ .
(٢) سورة الأعراف : الآية ٥٤ .
(٣) وإيجاز القِصَر . هو ما زيد فيه المعاني على الألفاظ . وللقرآن الكريم فيه المنزلة التي لا تسامى ـ والغاية التي لا تدرك .
فمن ذلك قوله تعالى : ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) ) [ الأعراف : ١٩٩ ] فهذه الآية قد جمعت مكارم الأخلاق . وانطوى تحتها كل دقيق وجليل . إذ في العفو الصفح عمن أساء ، وفي الأمر بالمعروف صلة الأرحام . ومنع اللسان عن الكذب وغضّ الطرف عن كل المحارم ـ وقوله عز اسمه ( وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ ) [ البقرة : ١٦٤ ] استوعبت تلك الآية الكريمة أنواع المتاجر . وصنوف المرافق التي لا يبلغها العدّ ـ وقوله : ( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) [ الأعراف : ٥٤ ] هاتان كلمتان أحاطتا بجميع الأشياء على غاية الاستقصاء ـ وقوله عليه السلام « المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء . وعوّدوا كل جسم ما اعتاد » فقد تضمّن ذلك من المعاني الطبيّة شيئًا كثيرًا .
وقول عليٍّ كرَّم الله وجهه « من استقبل وجوه الآراء عرف وجوه الخطأ » .
وقول بعض الأعراب ( اللهم هب لي حقك وأرض عني خلقك ) فسمعه علي عليه السلام فقال : هذا هو البلاغة ومنه قول السموءل : [ الطويل ]
|
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها |
|
فليس إلى حسن الثناء سبيل |
فقد اشتمل على حميد
الصفات من سماحة وشجاعة وتواضع وحلم وصبر واحتمال مكاره ـ إذ =
