خاتمة
الأصول والمُقتضيات المذكورة في هذا الفنّ مَسُوقةً على سبيل الحصر ، وإنّما هي نموذج يُنَبِّه الطالب على اعتبار ما يحسن في الذُّوق اعتباره ، ويُعينه على استخراج ما في الكلام من وجوه البلاغةِ (١) .
والقاعدة أنه متى وُجد الكلام الصّادر عمَّن يُعْتدّ بكلامه مُستعملًا في غير معناه الأصلي المعروف له وضعًا طُلِبَ المُراد بالتأمّل الصّادق مستعينًا بالقرائن و المقال حتى ينجلي له وجه العدول ـ وقد تقدَّم كثير من ذلك العدول ( المسمّى بإخراج الكلام على خلاف مُقتضى الظَّاهر ) في الأبواب السابقة .
وبقي من هذا القبيل أنواع أخرى :
الأول : الالتفات وهو نقل الكلام من حالة التكلم أو الخطاب أو الغَيبة إلى حالة أخرى من ذلك ، لِمُقتضيات ومُنَاسباتٍ تظهر بالتأمُّلُ في مواقع الالتفات ، وتلوينًا للخطاب حتى لا يملّ السَّامع من التزام حالة « فإنَّ لكل جديد لذَّة » ولد بعض مواقعه لطائف ، ملاكُ إدراكها الذوقُ السليم . واعلم أنَّ صور العدول إلى الالتفات ستة :
١ ـ عدولٌ من التّكلم إلى الخطاب ـ كقوله تعالى : ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ) (٢) .
٣ ـ عدولٌ من الخطاب إلى التّكلُّم ـ كقوله تعالى : ( وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) ) (٣) .
٤ ـ عدول من الخطاب إلى الغيبة ـ كقوله تعالى : ( رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩) ) (٤) .
____________________
(١) علمتَ أنّ البلاغة متوقفة على مطابقة الكلام لمقتضى الحال ، ورأيت في ما تقدم من الأحكام أن مقتضى الحال يجري على مقتضى الظاهر ، وهذا الطبع هو الأصل ، ولكن قد يُعدل عمّا يقتضيه الظاهر إلى خلافه ، ممّا تقتضيه الحال في بعض مقامات الكلام لاعتبارات يراها المتكلم .
|
(٢) سورة الزمر : الآية ٥٣ . |
(٣) سورة هود : الآية ٩٠ . |
(٤) سورة آل عمران : الآية ٩ .
