آخر ويذكرون الكلام الموزون ويمدحون به ويفضلون إصابة المقادير ويذمون الخروج من التعديل» (١).
وقال : «وقال طرفة في المقدار وإصابته :
|
فسقى ديارك ـ غير مفسدها ـ |
صوب الربيع وديمة تهمي |
طلب الغيث على قدر الحاجة لأنّ الفاضل ضارّ» (٢). وهذا هو الاعتراض عند ابن المعتز (٣) ، ولكنّ قدامة قال : «ومن أنواع نعوت المعاني التتميم ، وهو أن يذكر الشاعر المعنى فلا يدع من الأحوال التي تتم بها صحته وتكمل معها جودته شيئا إلا أتى به» (٤).
وذكر له عدة أمثله منها بيت طرفة : «فسقى ديارك ...» وقال : «فقوله : «غير مفسدها» إتمام لجودة ما قاله ؛ لانه لو لم يقل «غير مفسدها» لعيب كما عيب ذو الرمة في قوله :
|
ألا يا اسلمي يا دارميّ على البلى |
ولا زال منهلّا بجرعائك القطر |
فان الذي عابه في هذا القول إنما هو بأن نسب قوله هذا الى أنّ فيه إفسادا للدار التي دعا لها وهو أن تغرق بكثرة المطر».
وعقد العسكري فصلا سماه «التتميم والتكميل» وهو : «أن توفي المعنى حظّه من الجودة وتعطيه نصيبه من الصحة ثم لا تغادر معنى يكون فيه تمامه إلا تورده أو لفظا يكون فيه توكيده إلا تذكره» (٥). كقوله تعالى (مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً)(٦) ، فبقوله تعالى : (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) تمّ المعنى. ومنه قول عمرو بن براق :
|
فلا تأمننّ الدهر حرّا ظلمته |
فما ليل مظلوم كريم بنائم |
فقوله : «كريم» تتميم ؛ لأنّ اللئيم يغضي على العار وينام على الثار ، ولا يكون منه دون المظالم تكبر. ومنه قول الخنساء :
|
وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به |
كأنّه علم في رأسه نار |
فقولها : «في رأسه نار» تتميم ، وقالوا : لم يستوف أحد هذا المعنى استيفاءها. والتتميم عند المرزوقي الزيادة على المعنى وقد سماه «تتميم المقطع» (٧) ، وذكر ابن رشيق أنّه التمام وأنّ بعضهم يسمي ضربا منه احتراسا واحتياطا. وقال : «ومعنى التتميم أن يحاول الشاعر معنى فلا يدع شيئا يتم به حسنه إلا أورده وأتى به إمّا مبالغة وإمّا احتياطا واحتراسا من التقصير» (٨).
وقال التبريزي : «التتميم أن يأخذ الشاعر في معنى فيورده غير مشروح فيقع له أنّ السامع لا يتصوره بحقيقته فيعود راجعا الى ما قدّمه فاما أن يؤكده واما أن يجلي الشبهة فيه» (٩) كقول الشاعر :
|
أقمنا أكلنا أكل استلاب |
هناك وشربنا شرب يدار |
ثم علم أنّه لم يتم المعنى وانه لبّسه فقال :
|
ولم يك ذاك سخفا غير أنّي |
رأيت الشّرب سخفهم وقار |
وقال ابن الرومي :
|
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم |
في الحادثات إذا دجون نجوم |
|
|
فيها معالم للهدى ومصابح |
تجلو الدجى والاخريات رجوم |
__________________
(١) البيان ج ١ ص ٢٢٧.
(٢) البيان ج ١ ص ٢٢٨.
(٣) البديع ص ٥٩.
(٤) نقد الشعر ص ١٥٧.
(٥) كتاب الصناعتين ص ٣٨٩.
(٦) النحل ٩٧.
(٧) شرح ديوان الحماسة ج ١ ص ٦.
(٨) العمدة ج ٢ ص ٥٠ ، قراضة الذهب ص ٢٠.
(٩) الوافي ص ٢٨٧.
