ثم يتفق أن يستعمل كلمة أخرى أجنبية فينافر ما بين اللفظين وينافي ما بين المعنيين فيعود الى تلك الكلمة التي استعملها في صدر كلامه يعكسها هجاء ويعيدها في أول الفصل الثاني. وهو مثل قولك : «أفاض الله عليك نعمه ، وأضاف اليك قسمه» ومنه : «قرّف فلان بتكذيبه ففرق بينه وبين محبوبه» ويقال : «لاح لفلان سبيل رشده فحال بينه وبين ضده». ومنه :
|
جلّ عن مشبه يساويه في الفض |
ل كما لجّ في اقتناء الفخار (١) |
وهذا هو الضرب الثاني من المشبه بالتجنيس الذي سمي معكوسا ، وقد ذكر ابن الاثير عكس الحروف (٢) ، وهو شبيه بما ذكره ابن شيث.
الإلهاب :
ألهب : أوقد ، وألهب البرق إلهابا ، وإلهابه تداركه حتى لا يكون بين البرقتين فرجة ، وألهب في الكلام :أمضاه بسرعة ، والأصل فيه : الجري الشديد الذين يثير اللهب وهو الغبار الساطع كالدخان المرتفع من النار (٣).
وقد ذكر العلوي فنا سماه «الالهاب والتهييج» وقال إنّهما : «مقولان على كل كلام دال على الحث على الفعل لمن لا يتصور منه تركه وعلى ترك الفعل لمن لا يتصور منه فعله ولكن يكون صدور الأمر والنهي ممن هذه حاله على جهة الالهاب والتهييج له على الفعل أو الكف لا غير» (٤). فالأمر مثاله قوله تعالى : (فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ)(٥) ، وقوله : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ)(٦) وقوله : (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ)(٧). والمعلوم من حاله ـ عليهالسلام ـ أنه حاصل على هذه الأمور كلها من عبادة الله تعالى وإقامة وجهة للدين والاستقامة على الدعاء اليه لا يفتر عن ذلك ولا يتصور منه خلافها لأنّ خلافها معصوم منه الأنبياء فلا يمكن تصوره من جهتهم بحال ولكنّ ورودها على هذه الاوامر إنّما كان على جهة الحث له بهذه الأوامر وأمثالها. وكذلك ورد في المناهي كقوله تعالى : (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ)(٨) ، وقوله : (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ)(٩). وحاشاه أن يكون جاهلا أو أن يفعل أفعال السفهاء والجهال.
وأنّى يخطر بباله الشرك بالله وهو أول من دعا الى عبادته وحثّ عليها ، وهكذا القول فيما كان واردا في الأوامر والنواهي ـ له ـ عليهالسلام ـ فإنّما كان على جهة الإلهاب على فعل الأوامر والانكفاف عن المناهي
والتهييج لداعيته وحثا له على ذلك. فالأمر في حقه على تحصيل الفعل والكف عن المناهي فيما كان يعلم وجوبه عليه ويتحقق الانكفاف عنه إنّما هو على جهة التأكيد والحثّ بالتهييج والالهاب ، فهذان نوعان من الكلام يردان في الكلام الفصيح والخطب البالغة ، ولو لا موقعهما في البلاغة أحسن موقع ما وردا في كتاب الله ـ تعالى ـ الذي أعجز الثقلين الاتيان بمثله أو بأقصر سورة من سوره.
ولم يرد هذا الفن إلا في كتاب «الطراز» للعلوي ، ولعله يدخل في خروج الأمر والنهي عن غرضيهما الحقيقيين ، والغرض المجازي في كل منهما هو الالهاب والتهييج.
الامتحان :
امتحن القول : نظر فيه ودبره ، وامتحن الله قلوبهم :
__________________
(١) معالم الكتابة ص ٧٢.
(٢) المثل السائر ج ١ ص ٢٦٠ ـ ٢٦٣.
(٣) اللسان (لهب).
(٤) الطراز ج ٣ ص ١٦٥.
(٥) الزمر ٢.
(٦) الروم ٤٣.
(٧) هود ١١٢.
(٨) الانعام ٣٥.
(٩) الزمر ٦٥.
