صفّاها وهذّبها (١). وقد أطلق العلوي مصطلح «الامتحان» على ثلاثة أنواع هي : الاقتصاد والتفريط والافراط ، وقال : «إنّ من المعاني ما يكون متوسطا فيما أتي به من أجله فيكون اقتصادا ، ومنها ما يكون قاصرا عن الغرض فيقال له تفريط ، ومنها ما يكون زائدا عن الحد فيكون إفراطا. فهذا الفصل يسمى الامتحان لما كان فيه الافادة لمعرفة هذه الامور الثلاثة ، فاذا عرفت هذا فاعلم أنّ هذه الامور الثلاثة أعني الاقتصاد والتفريط والافراط لها مدخل في كل شيء من العلوم والصناعات والاخلاق والطباع» (٢).
وقد تقدم الكلام على الافراط والاقتصاد وسيأتي الحديث عن التفريط.
الامتناع :
المنع : أن تحول بين الرجل والشيء الذي يريده ، ويقال : هو تحجير الشيء ؛ منعه يمنعه منعا ومنّعه فامتنع منه وتمنّع (٣).
وكان قدامة قد تحدث في باب العيوب العامة للمعاني عن إيقاع الممتنع وفرّق بينه وبين المتناقض ، قال : «ومن عيوب المعاني إيقاع الممتنع فيها في حال ما يجوز وقوعه ويمكن كونه. والفرق بين الممتنع والمتناقض أنّ المتناقض لا يكون ولا يمكن تصوّره في الوهم ، والممتنع لا يكون ويجوز أن يتصور في الوهم» (٤) ومما جاء في الشعر وقد وضع الممتنع فيه فيما يجوز وقوعه قول أبي نواس :
|
يا أمين الله عش أبدا |
دم على الأيام والزّمن |
فليس يخلو هذا الشاعر من أن يكون تفاءل لهذا الممدوح بقوله : عش أبدا أو دعا له ، وكلا الأمرين مما لا يجوز مستقبح.
وقال البغدادي : «وأما الامتناع فهو الذي وإن كان لا يوجد فيمكن أن يتخيل ، ومنزلته دون منزلة المستحيل في الشناعة ، مثل أن تركّب أعضاء حيوان ما على جثة آخر فانّ ذلك جائز في التوهم ولكنه معدوم في الوجود» (٥).
الأمثال :
المثل : الشيء الذي يضرب لشيء مثلا فيجعل مثله ، والجمع : الأمثال (٦). ولخّص الميداني ما قيل في المثل فقال : «قال المبرّد : المثل مأخوذ من المثال وهو قول سائر يشبّه به حال الثاني بالأوّل والأصل في التشبيه ، فقولهم «مثل بين يديه» إذا انتصب ، معناه أشبه الصورة المنتصبة. و «فلان أمثل من فلان» أي : أشبه بما له في الفضل. والمثال : القصاص لتشبيه حال المقتص منه بحال الأول ، فحقيقة المثل ما جعل كالعلم للتشبيه بحال الأوّل كقول كعب بن زهير :
|
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا |
وما مواعيدها إلّا الأباطيل |
فمواعيد عرقوب علم لكل ما لا يصحّ من المواعيد.
قال ابن السّكّيت : المثل : لفظ يخالف لفظ المضروب له ويوافق معناه معنى ذلك اللفظ ، شبّهوه بالمثال الذي يعمل عليه غيره.
وقال غيرهما : سمّيت الحكم القائم صدقها في العقول أمثالا لانتصاب صورها في العقول مشتقة من المثول الذي هو الانتصاب.
وقال إبراهيم النّظّام : يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام : إيجاز اللفظ ، وإصابة المعنى ، وحسن التشبيه ، وجودة الكناية ؛ فهو نهاية الغاية.
__________________
(١) اللسان (محن).
(٢) الطراز ج ٢ ص ٢٩٩.
(٣) اللسان (منع).
(٤) نقد الشعر ص ٢٤٢.
(٥) قانون البلاغة ص ٤١٣.
(٦) اللسان (مثل).
