وقد تَقتضِي الأحوالُ العُدولَ عن مُقتضَى الظّاهر ويُورَدُ الكَلامُ على خلافه لاعتباراتٍ يلحظُها المُتكلّم .
١ ـ منها تنزيلُ العَالِم بفائدة الخبر ، أو لازِمها ، أو بهما معًا ـ منزلةَ الجاهل لعدم جَريهِ على مُوجِبِ علمه . فيُلقَى إليه الخبرُ كما يُلَقى إلى الجاهل ، كقولك لِمَن يَعلمَ وجوبَ الصّلاة وهو لا يُصلّي « الصّلاة واجبة » توبيخًا له على عدم عمله بمُقتضى علمه ، وكقولك ، لمن يُؤذي أباه ـ هذا أبوك .
٢ ـ ومنها تنزيل خَالي الذّهن منزلة السّائل المُتردّدِ إذا تقدّم في الكلام ما يشير إلى حُكم الخبر كقوله تعالى : ( وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) (١) فمدخول إنّ مؤكد لمضمون ما تقدّمه لإشعاره بالتّردّد فيما تضمّنه مدخولها ـ وكقوله تعالى : ( وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (٣٧) ) (٢) .
لَمّا أمر المولى « نوحًا » أوّلًا بصُنع الفُلك ، ونهاه ثانيًا عن مُخاطبته بالشّفاعة فيهم ، صار مع كونه غيرَ سائل في مقام السّائل المُتردِّد (٣) .
هل حكمَ الله عليهم بالإِغراق ؟ فأُجيبَ بقوله : « إنّهم مُغْرَقُون » .
٣ ـ ومنها تنزيل الخالي منزلة المُنكرِ . إذا ظهر عليه شيء من أمارات الإِنكار ، كقول حَجَل بن نَضْلَة القَيْسِي « مِنْ أولاد عَمّ شَقيق » :
____________________
= وظاهر الحال هو الأمر الداعي إلى إيراد الكلام مكيفًا بكيفية مخصوصة . بشرط أن يكون ذلك الأمر الداعي ثابتًا في الواقع ـ فكل كيفية اقتضاها ظاهر الحال اقتضاها الحال ، ـ وليس كل كيفية اقتضاها الحال اقتضاها ظاهره .
(١) سورة يوسف : الآية ٥٣ .
(٢) سورة هود : الآية ٣٧ .
(٣) أي فصار المقام مظنة للتردد والطلب ـ وإن لم يتردد المخاطب ولم يطلب بالفعل وذلك لأنه تكاد نفس الذكي إذا قُدِّم لها ما يشير إلى جنس الخبر أن تتردد في شخص الخبر وتطلبه من حيث إنها تعلم أن الجنس لا يوجد إلا في فرد من أفراده فيكون ناظرًا إليه بخصوصه كأنه متردد فيه كنظر السائل ـ فقوله ولا تخاطبني يشير إلى جنس الخبر وإنه عذاب ـ وقوله إنهم مغرقون ـ يشير إلى خصوص الخبر الذي أشير إليه ضمنًا في قوله ولا تخاطبني ـ وكقول الشاعر : [ الوافر ]
|
ترفّق أيها المولى عليهم |
|
فإن الرفق بالجاني عتاب |
فالأصل أن يورد الخبر هنا خاليًا من التوكيد لأن المخاطب خالي الذهن من الحكم ولكن ما تقدم في الكلام ما يشعر بنوع الحكم أصبح المخاطب متشوقًا لمعرفته فنزّل السائل المتردد واستحسن إلقاء الكلام إليه مؤكدًا جريًا على خلاف مقتضى الظاهر .
