ونظمهم ، وعلم كامل بالنّابِغين من شُعراء وخطباء ، وكتّاب مِمّنَ لَهم الأثر البيِّن في اللّغة ، والفضلُ الأكبرُ على اللّسان العربي المبين .
واعلم أنه يحسن أيضًا بطالب البلاغة أن يَعْرِف شيئًا عن الأسلوب الذي هو المعنَى المَصُوغُ في ألفاظ مُؤَلّفة على صورة تكون أقربَ لنيلْ الغرض المقصود من الكلام ، وأفعل في نفوس سامعيه ، وأنواع الأساليب ثلاثة :
١ ـ الأسلوب العلمي : وهو أَهدَأُ الأساليب ، وأكثرها احتياجًا إلى المنطق السليم والفكرِ المستقيم ، وأَبعدُها عن الخيال الشِّعْرِيّ . لأنه يخاطب العقل ويناجي الفكر ويَشْرَح الحقائق العلمية التي لا تخلو من غموض وخفاء ؛ وأَظْهَرُ ميزات هذا الأسلوبِ الوُضُوح . ولا بدّ أن يبدوَ فيه أثر القوّة والجمال ، وقوَّته في سطوع بيانه ، ورصانةِ حُججه ؛ وجَمَاله في سُهُولةِ عبارته ، وسلامةِ الذّوق في اختيار كافة ، وحسنِ تقريره المعنى في الأفهام من أقرب وجوه الكلام .
فيجب أن يُعْنَى فيه باختيار الألفاظ الواضحة الصّريحة في معناه الخالية من الاشتراك ، وأن تُؤلَّف هذه الألفاظُ في سُهولة وجلاء ، حتى تكون ثَوبًا شَفافًا للمعنى المقصود ، وحتى لا تُصْبح مَثَارًا للظّنون ومجالًا للتّوجيه والتّأويل .
ويحسن التَّنَحِّي عن المجاز ومُحَسِّنات البديع في هذا الأسلوب ، إلَّا ما يجيء من ذلك عفوًا من غير أن يَمَسَّ أصلًا من أصوله أو ميزة من ميزاته أمّا التشبيه الذي يقصد به تقريب الحقائق إلى الأفهام وتوضيحها بذكر مماثلها ، فهو في هذا الأسلوب حسن مقبول .
٢ ـ الأسلوب الأدبي : والجمال أَبرزُ صفاته ، وأظهر مُمَيِّزاته ، ومَنْشَأُ جماله ما فيه من خيال رائع ، وتَصْوير دقيق ، وتَلَمُّس لوجوه الشَّبه البعيدة بين الأشياء ، وإلباس المعنَوِيِّ ثوبَ المحسوس ، وإظهار المحسوس في صورة المعنويّ .
هَذَا ـ ومن السَّهْلِ عليك أن تَعْرِف أن الشّعر والنثر الفَنِّيَّ هما مَوْطِنا هذا الأسلوب ، ففيهما يَزْدَهِر ، وفيهما يبلغ قَنَّة الفَنِّ والجمال .
٣ ـ الأسلوب الخطابي : هنا تَبْرُزُ قوّة المعاني والألفاظ ، وقوّة الحجّة والبرهان ، وقوة العقل الخصيب ، وهنا يتحدّث الخطيب إلى إرادة سامعيه لإِثارة عزائمهم واستنهاض هممهم ، ولجمال هذا الأسلوب ووضوحه شأن كبير في تأثيره ووصوله إلى قرارة النفوس ، وممّا يزيد في تأثير هذا الأسلوب منزلة الخطيب في نفوس سامعيه وقوةُ عارضته ، وسطوعُ حُجَّته ونَبَراتُ صوته ، وحسنُ إلقائه ، ومُحْكَمُ إشاراته .
ومن أظهر مُمّيزات هذا الأسلوب التكرارُ
، واستعمال المترادفات وضربُ
