وإذا فشت وشاعَتْ الاستعارة التمثيلية (١) وكثر استعمالها تكون مثلًا لا يُغيَّر مطلقًا بحيثُ يخاطب به المفرد والمذكر ، وفروعهما ، بلفظ واحد من غير تغيير ولا تبديل عن مورده الأول وإن لم يُطابق المضروب له .
ولذا كانت هذه الاستعارة محطّ أنظار البلغاء . لا يعدلون بها إلى غيرها إلا عند عدم إمكانها فهي أبلغ أنواع المجاز مفردًا أو مركبًا ، إذ مبناها تشبيه التمثيل الذي قد عرفتَ أنّ وجه الشّبه فيه هيئة منتزعة من أشياء متعددة .
ومِن ثَمّ كانت هي والتشبيه المبنية عليه غرض البلغاء الذين يتسامون إليه ، ويتفاوتون في إصباته . حتى كُثرا في القرآن الكريم كثرة كانت إحدى الحُجج على إعجازه .
والاستعارة ميدان فسيح من ميادين البلاغة ، وهي أبلغ من التشبيه لأنها تضع أمام المخاطب بدلًا من المشبه صورة جديدة تملك عليه مشاعره وتذهله عما ينطوي تحتها من التشبيه ، وعلى مقدار ما في تلك الصورة من الرَّوعة وسمّو الخيال تكون البلاغة في الاستعارة .
وأبلغ أنواع الاستعارة « المرشحة » لذكر ما يناسب المستعار منه فيها بناء على الدعوى بأن المستعار له هو عين المستعار منه .
ثم يليها « المطلقة » لترك ما يناسب الطرفين فيها بناء على دعوى التساوي بينهما .
ثم تليها « المجردة » لذكر ما يناسب المستعار له فيها بناء على تشبيهه بالمستعار منه .
____________________
(١) وتنقسم التمثيلية إلى قسمين تحقيقية وتخييلية ـ فالتحقيقية هي المنتزعة من عدة أمور متحققة موجودة خارجًا ـ كما في الأمثلة السابقة ـ والتخييلية هي المنتزعة من عدة أمور متخيلة مفروضة لا تحقق لها في الخارج ولا في الذهن . وتسمى الأولى « تمثيلية تحقيقية » والثانية « تمثيلية تخييلية » كقوله تعالى : ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ) [ الأحزاب : ٧٢ ] الآية على احتمال فيها . فإنه لم يحصل عرض وإباء وإشفاق منها حقيقة ، بل هذا تصوير وتمثيل . بأن يفرض تشبيه حال التكاليف في ثقل حملها وصعوبة الوفاء بها ، بحال أنها عرضت على هذه الأشياء مع كبر أجرامها وقوة متانتها فامتنعن وخفن من حملها بجامع عدم تحقق الحمل في كل ، ثم استعير التركيب الدال على المشبه به للمشبه . استعارة تمثيلية ، ونحو قوله تعالى : ( فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) [ فصلت : ١١ ] فإن معنى أمر السماء والأرض بالإتيان وامتثالهما أنه أراد تكوينها فكانتا كما أراد . فالغرض تصوير تأثير قدرته فيهما وتأثرهما عنها ـ وتمثيل ذلك بحالة الآمر المطاع لهما وإجابتهما له بالطاعة فرضًا وتخييلًا من غير أن يتحقق شيء من الخطاب والجواب ، هذا أحد وجهين في الآيتين كما في الكشاف . فارجع إليه .
