الثاني : غَرابة الاستعمال ، وهي كونُ الكلمة غيرَ ظاهرةِ المعنى ولا مألوفةَ الاستعمال عند العرب الفُصحاء ، لأنّ المعوّلَ عليه في ذلك استعمالهم . والغرابة قسمان :
القسم الأول : ما يُوجب حِيرة السّامع في فهم المعنى المقصود من الكلمة لترَدّدها بين معنيين أو أكثرَ بلا قرينة . وذلك في الألفاظ المُشتركة « كمسرَّج » من قول رُؤْبَة بن العَجاج :
[ الرجز ]
|
ومُقْلةً وحَاجِبًا مُزَجّجَا |
|
وفاحِمًا ومُرْسِنًا مُسَرَّجا (١) |
فلا يُعلم ما أراد بقوله « مسرَّجا » حتى اخْتَلَفَ أئمّة اللُّغة في تخريجه فقال « ابن دُريد » يُريد أنّ أنفه في الاستواء والدِّقَة كالسّيف السّريجي .
وقال : « ابنِ سيدَه » يُريد أنه في البريق واللَّمعان كالسّراج (٢) .
____________________
= الحسن فإننا نحن نستعمل الآن من الكلام ما ليس بحسن وإنما نستعمله لضرورة فليس استعمال الحسن بممكن في كل الأحوال ـ واعلم أن استحسان الألفاظ واستقباحها لا يؤخذ بالتقليد من العرب لأنه شيء ليس للتقليد فيه مجال وإنما هو شيء له خصائص وهيئات وعلامات إذا وجدت علم حسنه من قبحه ـ ألا ترى أن لفظة المزنة مثلًا حسنة عند الناس كافة من العرب وغيرهم لا يختلف أحد في حسنها ـ وكذلك لفظ البعاق فإنها قبيحة عند الناس كافة من العرب وغيرهم فإذا استعملتها العرب لا يكون استعمالهم إياها مخرجًا لها عن القبح ولا يلتفت إذن إلى استعمالهم إياها بل يعاب مستعملها ويغلظ له النكير حيث استعملها ـ فلا تظن أن الوحشي من الألفاظ ما يكرهه سمعك ويثقل عليك النطق به وإنما هو الغريب الذي يقل استعماله فتارة يخف على سمعك ولا نجد به كراهة وتارة يثقل على سمعك وتجد منه الكراهة وذلك في اللفط عيبان كونه غريب الاستعمال وكونه ثقيلًا على السمع كريهًا على الذوق . وليس وراءه في القبح درجة أخرى ولا يستعمله إلا أجهل الناس ممن لم يخطر بباله شيء من معرفة هذا الفن أصلًا ـ انتهى عن المثل السائر بتصرف .
(١) « مزججًا » مدققًا مطولًا ( فاحمًا ) شعرًا أسود كالفحمة ( مرسنا ) بكسر الميم وفتح السين كمنبر ـ أو بفتح الميم وكسر السين كمجلس ومعناه أنفاذًا لمعان كالسراج ـ أو ذا صقالة واحديداب كالسيف السريجي أي المنسوب إلى سريج وهو قين حداد تنسب إليه السيوف في الدقة والاستواء .
(٢) أي ولفظه مسرج غير ظاهرة الدلالة على ما ذكر لأن فعل إنما يدل على مجرد النسبة وهي لا تدل على التشبيه فأخذه منها بعيد ـ لهذا أدخل الحيرة على السامع في فهم المعنى المقصود من الكلمة لترددها معنيين أو أكثر بلا قرينة ومثله قول الشاعر : [ الكامل ]
|
لو كنت أعلم أن آخر عهدكم |
|
يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل |
فلا يعلم ماذا أراد بقوله فعلت ما لم أفعل ـ أكان يبكي إذا رحلوا ـ أم كان يهيم على وجهه من الغم الذي لحقه ـ أم يتبعهم إذا ساروا ـ أم يمنعهم من المضي على غزمة الرحيل .
