الكتاب العزيز لأجل الفواصل ، فذلك أمر لا يليق بكلام الله تعالى ، وقد عاب النبي صلىاللهعليهوسلم السجع ، لأن الساجع يكون محط نظره الألفاظ ، فيدير المعاني عليها ويتبعها إياها ، فربما عجز اللفظ عن توفية المعنى ؛ روى البخاري في الطب وغيره من صحيحه ومسلم في الديات وأبو داود والنسائي وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قضى في الجنين يقتل في بطن أمه بغرة عبد أو وليدة ، فقال الذي قضي عليه : كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ، ولا نطق ولا استهل ، فمثل ذلك بطل ؛ فقال النبي صلىاللهعليهوسلم : إنما هذا من إخوان الكهان من أجل سجعه الذي سجع ، وفي رواية : فقال النبي صلىاللهعليهوسلم : سجع كسجع الأعراب (١) وذلك ـ والله أعلم ـ أنه لو كان نظره إلى المعنى وتصحيحه لأغنى عن هذا السجع أن يقال : كيف أغرم من لا حياة له ، ولو قصد السجع وتهذيب المعنى لأتى مما يدل على نفي الحياة التي جعلها محط أمره فإن ما أتى به لا يستلزم نفيها ، ولو تقيد بالصحة لاغتنى بنفي النطق عن نفي الاستهلال ، فصح بهذا أنه دائر مع تحسين اللفظ صح المعنى أم لا ، ولا ينطبع في عقل عاقل أن يكون النبي صلىاللهعليهوسلم يذم السجع وهو يأتي به ويقصده في القرآن أو في السنة ، ولو كان ذلك لأسرعوا الرد عليه ، وذكر أصحاب فتوح البلاد في فتح مكران من بلاد فارس أن الحكم بن عمرو لما فتحها أرسل بالأخماس مع صحار العبدي ، فلما قدم على عمر رضي الله عنه سأله عن مكران وكان لا يأتيه أحد إلا سأله عن الوجه الذي يجيء منه فقال : يا أمير المؤمنين! أرض سهلها جبل ، وماءها وشل (٢) ، وثمرها دقل (٣) ، وعدوها بطل (٤) ، وخيرها قليل ، وشرها طويل ، والكثير بها قليل ، والقليل بها ضائع ، وما وراءها شر منها ؛ فقال ، أسجاع أنت أم مخبر؟ فقال : لا بل مخبر ، قال : لا والله! لا يغزوها جيش لي ما أطعت. فقد جعل الفاروق السجع قسيما للخير فدل على أن التقيد به عيب لإخلاله بالفائدة أو بتمام الفائدة ، ولعله إنما جوز أن يكون مخبرا لأنه انفك عن السجع في آخر كلامه وكرر لفظ «قليل» فكان ما ظنه ، لأنه لو أراد السجع لأمكنه أن يقول والكثير بها ذليل ، والقليل بها ضائع كليل ، وما وراءها شر منها بأقوم قيل ؛ وقد نفى سبحانه عن هذا القرآن المجيد تصويب النظر إلى السجع كما نفى عنه الشعر فإنه تعالى قال (وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٦٩١٠ ومسلم ١٦٨١ وأبو داود ٤٥٧٦ وابن حبان ٦٠١٩ والدارمي ٢ / ١٩٧ والبيهقي ٨ / ١١٤ وابن الجارود ٧٧٦ وعبد الرزاق ١٨٣٣٨ وأحمد ٢ / ٥٣٥ من حديث أبي هريرة.
ـ وأخرجه النسائي ٨ / ٥١ ـ ٥٢ والطبراني ١١٧٦٧ من حديث ابن عباس.
(٢) الوشل : الماء القليل يحلب من صخرة أو جبل.
(٣) الدقل : أردأ التمر.
(٤) بطل الشيء : ذهب ضياعا وخسرانا.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
