المطلوب واستيفاء التعريف بوضوح الطريق وقد وضح من هذا تلاء هذه السورة الكريمة لما تقدمها ، ومما يشهد لهذا ـ والله أعلم ـ قوله تعالى : (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ) [هود : ١٧] وقوله تعالى : (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا) [هود : ١١٢] فقد وضح طريقك وفاز بالفلاح حزبك وفريقك (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) [هود : ١١٣] فقد عرفتم سبيلهم ومصيرهم فقد بان طريق الحق ، وكيف ينكب من جزم سلوكه من الخلق! ونظيره قوله سبحانه (وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُ) [هود : ١٢٠] عقب ما ذكر سبحانه (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) [غافر : ١٦] وقوله : (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) [الانفطار : ١٩] فتأمل ذلك والله المستعان ـ انتهى.
(إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤) أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦))
ولما خوف المنذرون باليوم الكبير كانوا كأنهم قالوا : ما هذا اليوم؟ فكان الجواب : يوم يرجعون إليه ، ولما كانوا ربما حملوا الرجوع على مجرد الموت والصيرورة ترابا ، نبههم على أنه بغير المعنى الذي يتوهمونه بل بمعنى إعادتهم كما كانوا فقال : (إِلَى اللهِ) أي الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلما وحده (مَرْجِعُكُمْ) أي رجوعكم ووقته ومكانه لأجل الحساب لا إلى التراب ولا غيره ، وهو بكل شيء عليم ، ومنه بدؤكم لأخذ الزاد للمعاد ، وجعل فاصلة الآية حكما على المراد فقال : (وَهُوَ) أي وحده (عَلى كُلِّ شَيْءٍ) أي ممكن (قَدِيرٌ) أي بالغ القدرة لأنهم يقرون بقدرته على أشياء هي أعظم من الإعادة ، فهو قادر على الإعادة كما قدر على البداءة ، فالآية من الاحتباك : ذكر المرجع أولا دليلا على المبدإ ثانيا ، وتمام القدرة ثانيا دليلا على تمام العلم أولا لأنهما متلازمان.
ولما تقدم من التخويف والإطماع ما هو مظنة لإقبالهم ورهبهم على التولي بخصوصه ، فكان موضع أن يقال : هل أقبلوا؟ فقيل : لا قال مبينا أن التولي باطنا كالتولي ظاهرا لأن الباطن هو العمدة ، مؤكدا لأنه أمر لا يكاد أن يصدق ، والتأكيد أقعد في تبكيتهم : (أَلا إِنَّهُمْ) أي الكفار المعاندين (يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ) أي يطوونها وينحرفون عن الحق على غل من غير إقبال لأن من أقبل على الشيء أقبل عليه بصدره (لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ) أي يريدون أن يوجدوا إخفاء سرهم على غاية ما يكون من أمره. فإن
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
