هذا) فلم يعدوا له عدته (وَما) أي وكما (كانُوا) أي جبلة وطبعا (بِآياتِنا) على ما لها من العظمة بنسبتها إلينا (يَجْحَدُونَ) أي ينكرون وهم يعرفون حقيقتها لأنها في غاية الظهور.
(وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣) إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤))
ولما ذكر نسيانهم وجحودهم ، ذكر حالهم عند ذلك فقال : (وَلَقَدْ) أي فعلوا ذلك والحال أنا وعزتنا قد (جِئْناهُمْ) أي على عظمتنا بإتيان رسولنا إليهم عنا (بِكِتابٍ) ليس هو موضعا للجحد أصلا ؛ ثم بين ذلك في سياق مرغب للمؤالف مرهب للمخالف فقال : (فَصَّلْناهُ) أي بينا معانيه لم ندع فيها لبسا ، وجعلنا لآياته فواصل حال كون ذلك التفصيل (عَلى عِلْمٍ) أي عظيم ، فجاء معجزا في نظمه ومعناه وسائر علمه ومغزاه ، وحال كونه (هُدىً) أي بيانا (وَرَحْمَةً) أي إكراما ، ثم خص المنتفعين به لأن من لا ينتفع بالشيء فهو كالمعدوم في حقه فقال : (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) أي فيهم قابلية ذلك ، وفيه رجوع إلى وصف الكتاب الذي هو أحد مقاصد السورة على أبدع وجه في أحسن أسلوب.
ولما وصف الكتاب وذكر المنتفع به ، تشوفت النفس إلى السؤال عن حال من لا يؤمن به وهم الجاحدون ، فقال مشيرا إلى أن حالهم في وقوفهم عن المتابعة بعد العلم بصدقه بعجزهم عنه كحال من ينتظر أن يأتي مضمون وعيده : (هَلْ يَنْظُرُونَ) أي ينتظرون ، ولكنه لما لم يكن لهم قصد في ذلك بغير ما يفهمه الحال ، جرد الفعل ولإفادة أنه بتحقيق إتيانه في غاية القرب حتى كأنه مشاهد لهم (إِلَّا تَأْوِيلَهُ) أي تصيير ما فيه من وعد ووعيد إلى مقاره وعواقب أمره التي أخبر أنه يصير إليها.
ولما كان كأنه قيل : ما يكون حالهم حينئذ؟ قال : التحسر والإذعان حيث لا ينفع ، والتصديق والإيمان حين لا يقبل ، وعبر عن ذلك بقوله : (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) أي بلوغ وعيده إلى مبلغه في الدنيا أو في الآخرة ؛ ولما قدم اليوم اهتماما به ، أتبعه العامل فيه فقال : (يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ) أي تركوه ترك المنسي ، ويجوز أن يكون عد ذلك نسيانا
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
