(يا قَوْمِ) مكررا لاستعطاف (لا أَسْئَلُكُمْ) أي في المستقبل كما لم أسألكم في الماضي (عَلَيْهِ) أي على هذا الإنذار (أَجْراً) أي فلست موضع تهمة (إِنْ) أي ما ؛ (أَجْرِيَ) ثم وصف من توكل عليه سبحانه بما يدل على الكفاية فعليّ وجوب شكره فقال : (إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي) أي أبتدأ خلقي ولم يشاركه فيّ أحد فهو الغني المطلق لا أوجه رغبتي إلى غيره كما يجب على كل أحد ذلك لكونه فطرة.
ولما كان الخلاف الذي لا حظ فيه جهة الدنيا لا يحتاج الإنسان في الدلالة على أن صاحبه ملجأ إليه من جهة الله ، وأنه لا نجاة إلا به إلى غير العقل ، سبب عن قوله هذا الإنكار عليهم في قوله : (أَفَلا تَعْقِلُونَ).
ولما دعاهم مشيرا إلى ترهيبهم مستدلا على الصدق بنفي الغرض ، رغبهم في إدامة الخوف مما مضى بقوله : (وَيا قَوْمِ) ومن هم أعز الناس عليّ ولهم قدرة على ما طلب منهم (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) أي اطلبوا غفرانه بطاعتكم له لما يجب له بإحسانه إليكم. وأشار إلى علو رتبة التوبة بأداة التراخي فقال : (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) أي تسموا عالي هذه الرتبة بأن تطلبوا ستر الله لذنوبكم ثم ترجعوا إلى طاعته بالندم والإقلاع والاستمرار (يُرْسِلِ السَّماءَ) أي الماء النازل منها أو السحاب بالماء (عَلَيْكُمْ مِدْراراً) أي هاطلة بمطر غزير متتابع (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً) أي عظيمة مجموعة (إِلى قُوَّتِكُمْ) ثم عطف على قوله (اسْتَغْفِرُوا) قوله : (وَلا تَتَوَلَّوْا) أي تكلفوا أنفسكم غير ما جبلت عليه من سلامة الانقياد فتبالغوا في الإعراض ـ بما أشار إليه إثبات التاء (مُجْرِمِينَ) أي قاطعين لأنفسكم ـ ببناء أمركم على الظنون الفاسدة عن خيرات الدنيا والآخرة.
(قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦))
ولما محّض لهم النصح على غاية البيان ، ما كان جوابهم إلا أن (قالُوا) أي عاد بعد أن أظهر لهم هود عليهالسلام من المعجزات ما مثله آمن عليه البشر (يا هُودُ) نادوه باسمه غلظة وجفاء (ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ) فأوضحوا لكل ذي لب أنهم مكابرون لقويم العقل وصريح النقل ، فهم مفترون كما كان العرب يقولون للنبي صلىاللهعليهوسلم بعد أن أتاهم من الآيات على يده ما يفوت الحصر (لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ* وَما نَحْنُ) وأغرقوا في النفي فقالوا : (بِتارِكِي آلِهَتِنا) مجاوزين لها أو صادرين (عَنْ قَوْلِكَ) وتركهم للعطف بالفاء ـ
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
