خسروا أنفسهم والحال أنا أنعمنا عليهم بنعمة التمكين بعد أن أنشأناهم على الصورة المذكورة بعد أن كانوا عدما ، وأسجدنا ملائكتنا لأبيهم وطردنا من تكبر عليه طردا لا طرد مثله ، وأبعدناه عن محل قدسنا بعدا لا قرب معه ، وأسكنا أباهم الجنه دار رحمتنا وقربنا ، فقال تعالى مترجما عن ذلك : (ثُمَّ قُلْنا) أي على ما لنا من الاختصاص بالعظمة (لِلْمَلائِكَةِ) أي الموجودين في ذلك الوقت من أهل السماوات والأرض كلهم ، بما دلت عليه «ال» سواء قلنا : إنها للاستغراق أو الجنس (اسْجُدُوا لِآدَمَ) أي بعد كونه رجلا قائما سويا ذا روح كما هو معروف من التسمية ؛ ثم سبب عن هذا الأمر قوله : (فَسَجَدُوا) أي كلهم بما دل عليه الاستثناء في قوله : (إِلَّا إِبْلِيسَ) ولما كان معنى ذلك لإخراجه ممن سجد أنه لم يسجد ، صرح به فقال : (لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) أي لآدم.
(قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦))
ولما كان مخالف الملك في محل العقاب ، تشوف السامع إلى خبره فأجيب بقوله : (قالَ) أي لإبليس إنكارا عليه توبيخا له استخراجا لكفره الذي كان يخفيه بما يبدي من جوابه ليعلم الخلق سبب طرده (ما مَنَعَكَ) ولما كانت هذه العبارة قد صرحت بعدم سجوده ، فكان المعنى لا يلبس بإدخال «لا» في قوله : (أَلَّا تَسْجُدَ) أتى بها لتفيد التأكيد بالدلالة على اللوم على الامتناع من الفعل والإقدام على الترك ، فيكون كأنه قيل : ما منعك من السجود وحملك على تركه (إِذْ) أي حين (أَمَرْتُكَ) أي حين حضر الوقت الذي يكون فيه أداء المأمور به (قالَ) أي إبليس ناسبا ربه سبحانه إلى الجور أو عدم العلم بالحق (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) أي فلا يليق لي السجود لمن هو دوني ولا أمري بذلك لأنه مناف للحكمة ؛ ثم بين وجه الخيرية التي تصورها بسوء فهمه أو بما قاده إليه سوء طبعه بقوله : (خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ) أي فهي أغلب أجزائي وهي مشرفة مضيئة عالية غالبة (وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) أي هو أغلب أجزائه وهو كدر مظلم سافل مغلوب ، وقد غلط غلطا فاحشا فإن الإيجاد خير من الإعدام بلا نزاع ، والنار سبب الإعدام والمحق لما خالطته ، والطين سبب النماء والتربية لما خالطه ، هذا لو كان الأمر في الفضل باعتبار العناصر والمبادىء وليس كذلك ، بل هو باعتبار الغايات.
ولما كان هذا أمرا ظاهرا ، وكان مجرد التكبر على الله كفرا على أيّ وجه كان ، أعرض عن جوابه بغير الطرد الذي معناه نزوله المنزلة الذي موضع ما طلب من علوها
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
