ولما أخبر بإقرارهم عن بعض ما يسألون عنه ثم عقبه بما لوح إلى إنكارهم أو سكوتهم عن بعضه مما يتعلق بشركائهم ، عطف على ما صرح به من قولهم (فَسَيَقُولُونَ) وما لوح إليه من «فسينكرون» أو «فسيسكتون» قوله : (وَما يَتَّبِعُ) أي بغاية الجهد (أَكْثَرُهُمْ) أي في نطقه أو سكوته في عبادته للأصنام وقوله : إنها شفعاء ، وغير ذلك (إِلَّا ظَنًّا) تنبيها على أنهم إنما هم مقلدون وتابعون للأهواء.
ولما كان الظن لا ينكر استعماله في الشرائع ، نبه على أن محله إنما هو حيث لا يوجد نص على المقصود ، فيقاس حينئذ على النصوص بطريقه ، وأما إذا وجد القاطع في حكم فإنه لا يجوز العدول عنه بوجه من الوجوه فقال تعالى في جواب من يقول : أو ليس الظن مستعملا في كثير من الأحكام؟ : (إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي) أي أصلا (مِنَ الْحَقِ) أي الكامل (شَيْئاً) أي بدله ، ولا يكون بدل الحق إلا إذا كان تابعه مخالفا فيه لقاطع يعلمه.
ولما صار ظهور الفرق ضروريا ، أوقع تهديد المتمادي في غيه في جواب من كأنه قال : إن ذلك غير خفي عنهم ولكنهم يستكبرون فلا يرجعون ، فقال : (إِنَّ اللهَ) أي المحيط بكل شيء (عَلِيمٌ) أي بالغ العلم (بِما يَفْعَلُونَ) فاصبر فلسوف يعلمون.
(وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠))
ولما قدم في هذه السورة قولهم (لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) وأتى فيها ردا عليهم ووعظا لهم من الآيات البالغة في الحكمة جدا يتجاوز قوى البشر ويضمحل دونه من الخلق القدر ، وكان آخر ذلك التنبيه على أن شركاءهم لا يهتدون إلا أن هداهم الهادي فضلا عن أن يهدوا ، وإقامة الدليل على أن مذاهبهم ليست مستندة إلى علم بل هي تابعة للهوى ، أتبع ذلك دليلا قطعيا في أمر القرآن من أنه لا يصح أصلا أن يؤتى به من دون أمره سبحانه ردا لقولهم : إنه مفترى ، لأنه من وادي ما ختم به هذه الآيات من اتباعهم للظنون لأنه لا سند لهم في ذلك بل ولا شبهة أصلا ، وإنما هو مجرد هوى بل وأكثرهم عالم بالحق في أمره ، فنفي ذلك بما يزيح الظنون ويدمغ الخصوم ولا يدع شبهة لمفتون ، وأثبت أنه هو الآية الكبرى والحقيق بالاتباع لأنه هدى ، فقال تعالى :
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
