تَعْقِلُونَ) أي حين أخذوا ما يشقيهم ويفنى بدلا مما يسعدهم ويبقى ، وعلى قراءة نافع وابن عامر وحفص بالخطاب يكون المراد الإعلام بتناهي الغضب.
(وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣))
ولما بين ما للمفسدين من كونهم قالوا على الله غير الحق فلا يغفر لهم ، بين ما للصالحين المذكورين في قوله (وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِ) ومنهم الصالحون [الأعراف : ١٥٩] فقال عاطفا على تقديره : أولئك حبطت أعمالهم فيما درسوا من الكتاب ، ولا يغفر لهم ما أتوا من الفساد : (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ) أي يمسكون إمساكا شديدا يتجدد على كل وجه الاستمرار ، وهو إشارة إلى أن التمسك بالسنة في غاية الصعوبة لا سيما عند ظهور الفساد (بِالْكِتابِ) أي فلا يقولون على الله إلا الحق ، ومن جملة تمسيكهم المتجدد انتقالهم عن ذلك الكتاب عند إتيان الناسخ لأنه ناطق بذلك ـ والله الموفق.
ولما كان من تمسيكهم بالكتاب عند نزول هذا الكلام انتقالهم عن دينهم إلى الإسلام كما وقع الأمر به في المواضع التي تقدم بيانها ، عبر عن إقامة الصلاة المعهودة لهم بلفظ الماضي دون المضارع لئلا يجعلوه حجة في الثبات على دينهم ، فيفيد ضد المراد فقال : (وَأَقامُوا الصَّلاةَ) وخصها إشارة إلى أن الأولين تركوها كما صرح به في آية مريم ، وتنويها بشأنها بيانا لأنها من أعظم شعائر الدين ، ولما كان التقدير إخبارا عن المبتدإ : سنؤتيهم أجورهم لإصلاحهم ، وضع موضعه للتعميم قوله : (إِنَّا لا نُضِيعُ) أي بوجه من الوجوه (أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ).
ولما ذكر الكتاب أنه رهبهم من مخالفته ورغبهم في مؤالفته ، وكان عذاب الآخرة مستقبلا وغائبا ، وكان ما هذا شأنه لا يؤثر في الجامدين ، أمره أن يذكرهم بترهيب دنيوي مضى إيقاعه بهم ، ليأخذوا مواثيق الكتاب لغاية الجد مع أنه لا يعلمه إلا علماؤهم ، فيكون علم الأمي له من أعلام نبوته الظاهرة فقال : (وَإِذْ) أي اذكر لهم هذا ، فإن لمن يتعظوا اذكر لهم إذ (نَتَقْنَا) أي قلعنا ورفعنا ، وأتى بنون العظمة لزيادة الترهيب (الْجَبَلَ) عرفه لمعرفتهم به ، وعبر به لدلالة لفظه على الصعوبة والشدة دون
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
