دوامها بعد الإيجاد من غيرهم ، فإن الكل لو دخلوا فيها دائما ما ضاقت بهم ، فهي في نفسها واسعة ولكني أفعل ما أشاء.
ولما ذكر نظرهم إلى الخالق بالانتهاء عما نهى عنه والائتمار بما أمر به ، أتبعه النظر إلى الخلائق فقال : (وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ) ولعله خصها لأن فرضها كان في هذا الميقات كما تقدم في البقرة ولأنها أمانة فيما بين الخلق والخالق كما أن صفات النبي صلىاللهعليهوسلم التي كتبها لهم وشرط قبول أعمالهم باتباعه كذلك ؛ ثم عمم بذكر ثمرة التقوى فقال مخرجا لمن يوجد منه ذانك الوصفان في الجملة على غير جهة العموم : (وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا) أي كلها (يُؤْمِنُونَ) أي يصدقون بالقلب ويقرون باللسان ويعملون تصديقا لذلك بالأركان ، فلا يكفرون ببعض ويؤمنون ببعض.
(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧))
ولما كان اليهود ربما ادعوا ذلك مكابرة ، أوضح غاية الإيضاح بقوله : (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ) أي بغاية جهدهم (الرَّسُولَ) ولما كان هذا الوصف وحده غير مبين للمراد ولا صريح في الرسالة عن الله ولا في كونه من البشر ، قال : (النَّبِيَ) أي الذي يأتيه الوحي من الله ، فبدأ بالأشرف وثنى بما خصه برسالة الله وكونه من الآدميين لا من الملائكة.
ولما لم يتم المراد ، قال مبينا لأعظم المعجزات ، وهي أن علمه بغير معلم من البشر : (الْأُمِّيَ) أي الذي هو مع ذلك العلم المحيط على صفة الأم ، وأمة العرب لا يكتب ولا يقرأ ولا يخالط العلماء للتعليم منهم بل لتعليمهم ، فانطبق الوصف على الموصوف مع التنويه بجلالة الأوصاف والتشويق إلى الموصوف ، ولم يعطف لئلا يوهم تعداد الموصوف ـ والمعنى أني لا أغفر لأحد من بني إسرائيل ولا من غيرهم إلا إن اتبع محمدا صلىاللهعليهوسلم ، وهذا الاتباع تارة يكون بالقوة فقط لمن تقدم موته على زمانه ، وتارة يخرج من القوة إلى الفعل ممن تلحق زمان دعوته ، فمن علم الله منه أنه لا يتبعه إذا أدركه لا يغفر له ولو عمل جميع الطاعات غير ذلك ، وعرفه لهم بجميع خواصه حتى لا يتطرق إليه عند مجيئه ريب ولا يتعلل في أمره بعلة ، ولذلك أتبعه بقوله : (الَّذِي يَجِدُونَهُ) أي علماء بني إسرائيل ؛ ولما اشتد تشوف السامع بذكر الوجدان ، قال : (مَكْتُوباً) ثم قرب الأمر بقوله : (عِنْدَهُمْ) ثم بين أنه مما لا يدخله شك بقوله : (فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ) أي
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
