فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (٨٣) وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤) وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٨٥))
ولما علل سبحانه عدم المغفرة بفسقهم ، وأتى بالظاهر موضع المضمر إشارة إلى اتصافهم به وتعليقا للحكم بالوصف ، علل رسوخهم في الفسق بعد أن قدم أن المنافقين بعضهم من بعض فهم كالجسد الواحد بقوله : (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ) أي الذين وقع تخليفهم بإذنك لهم وكراهة الله لانبعاثهم (بِمَقْعَدِهِمْ) أي قعودهم عن غزوة تبوك ، ولعله عبر بهذا المصدر لصلاحيته لموضع القعود ليكون بدلالته على الفرح أعظم دلالة على الفرح بالموضع ، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وأظهر الوصف بالتخلف موضع الضمير زيادة في تهجين ما رضوا به لأنفسهم ، وزاده تهجينا أيضا بقوله : (خِلافَ) أي بعد وخلف أو لأجل خلاف (رَسُولِ اللهِ) أي الملك الأعظم الذي من تخلف عن حزبه هلك (وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا.)
ولما كان هذا في سياق الأموال تارة بالرضى بنيلها والسخط بحرمانها ، وتارة بقبض اليد عن بذلها ، وتارة بالاستمتاع بالخلاف الذي هو النصيب أعم من أن يكون بالمال أو النفس ، وتارة بعيب الباذلين وغير ذلك من شأنها قدم قوله : (بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) على قوله : (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي طريق الملك الذي له صفات الكمال ، لأنه ليس فيهم باعث الإيمان وداعي الإيقان الذي بعث المؤمنين ، ودل ذلك على عراقتهم في الفسق بأن الإنسان قد يفعل المعصية ويحزن على فعلها وهؤلاء سروا بها مع ما فيها من الدناءة ، وقد يسر الإنسان بالمعصية ولا يكره أن يكون بدلها أو معها طاعة وهؤلاء ضموا إلى سرورهم بها كراهية الطاعة ، وقد يكره ولا ينهى غيره وهؤلاء جمعوا إلى ذلك كله نهي غيرهم ، ففعلوا ذلك كله (وَقالُوا) أي لغيرهم (لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ) بعدا من الإسلام وعمّى عن سيد الأحكام ، لأن غزوة تبوك كانت في شدة الحر.
ولما كان هذا قول من لم تخطر الآخرة على باله ، أمره تعالى أن يحذر من يصغي إليهم أو يقبل عليهم بقوله : (قُلْ) أي يا أعلم بخلقنا استجهالا لهم (نارُ جَهَنَّمَ) أي التي أعدها الله لمن خالف أمره (أَشَدُّ حَرًّا) ولفت الكلام إلى الغيبة يدل على أن أعظم المراد بهذا الوعظ ضعفاء المؤمنين لئلا يتشبهوا بهم طمعا في الحلم فقال تعالى : (لَوْ
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
