غيره مع اليمن والبركة وكثرة الآثار الفاضلة والنتائج الشريفة (اللهُ) أي ذو الجلال والإكرام.
ولما دل على أنه يستحق هذا الثناء لذاته ، دل على أنه يستحقه لصفاته فقال : (رَبُّ الْعالَمِينَ) أي مبدع ذلك كله ومربيه خلقا وتصريفا بأمره ، وفي الجزء السادس من فوائد المخلص عن سفيان بن عيينة أنه قال : ما يقول هذه الدوبية ـ يعني بشرا المريسي؟ قالوا : يا أبا محمد! يزعم أن القرآن مخلوق ، فقال : كذب ، قال الله عزوجل (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) فالخلق خلق الله ، والأمر القرآن ـ انتهى. وهذا الذي فسر به مما تحتمله الآية بأن يكون الأمر هو المراد بقوله (بِأَمْرِهِ) وهو الإرادة والكلام مع احتمال ما قدمته.
(ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧))
ولما ذكر تعالى تفرده بالخلق والأمر المقتضي لتفرده بالعبادة للتوجيه إلى تحصيل المعارف النفسانية والعلوم الحقيقية ، أمر بهذا المقتضى اللائق بتلك المعارف ، وهو الدعاء الذي هو مخ العبادة فقال : (ادْعُوا رَبَّكُمْ) أي الدائم الإحسان إليكم دعاء عبادة وخضوع (تَضَرُّعاً) أي تذللا ظاهرا (وَخُفْيَةً) أي وتذللا باطنا ، وقد أثنى على عبده زكريا عليهالسلام فقال : (إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا) [مريم : ٣] أي اجمعوا إلى خضوع الظاهر خضوع الباطن ، أي أخلصوا له العبادة ، إنه يحب المخلصين لأن تفرده بأن يدعى هو اللائق بمقام عز الربوبية ، والتذلل على هذه الصفة هو اللائق بمقام ذل العبودية ، وهذا هو المقصود من الدعاء لا تحويل العلم الأزلي ، وهو المقصود من جميع العبادات ، فإن العبد لا يدعو إلا وقد استحضر من نفسه الذل والصعب والحاجة ، ومن ربه العلم والقدرة والكفاية ، وهذا هو المقصود من جميع العبادات ، فلهذا كان الدعاء مخ العبادة ، وقد جمع هذا الكلام على وجازته كل ما يراد تحقيقه وتحصيله من شرائط الدعاء بحيث إنه لا مزيد عليه ، ومن فعل خلاف ذلك فقد تجاوز الحد ، وإلى ذلك أومأ بتعليله بقوله : (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) أي المجاوزين لما أمروا به في الدعاء وغيره ، قالوا : فالمعنى أن من ترك هذا لا يحبه الله ، أي لا يثيبه البتة ولا يحسن إليه ، فالآية من
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
