ومع الطيور والدواب ومع كل سباع الأرض جميع الذين خرجوا من الفلك. وأثبت عهدي بيني وبينكم فلا يبيد كل ذي لحم أيضا بماء الطوفان ولا يهبط الطوفان أيضا ليفسد جميع الأرض ، قال الله لنوح : هذه علامة لعهدي الذي أجعله بيني وبينكم وبين كل نفس حية معكم في جميع أحقاب العالم ، قد أظهرت قوسي في السحاب فهي أمارة ذكر العهد الذي بيني وبينك وبين أهل الأرض ، فإذا أنشأت السحاب في الأرض وأظهرت قوس السحاب فاذكروا العهد الذي بيني وبينكم ، وكان بنو نوح الذين خرجوا معه من التابوت سام وحام ويافث ، وحام يكنى أبا كنعان ، هؤلاء الثلاثة ثم بنو نوح ، وتفرق الناس من هؤلاء في الأرض كلها ؛ ثم ذكر أن نوحا عليهالسلام نام فرأى حام عريه فأظهر ذلك لأخويه ، فتناول سام ويافث رداء فألقياه على أكتافهما ثم سعيا على أعقابهما مدبرين فواريا عرى أبيهما ، فلما علم نوح ما صنع ابنه الأصغر دعا عليه أن يكون عبدا لأخويه ، وكانت جميع أيام حياة نوح تسعمائة سنة وخمسين سنة ، ثم توفي عليه الصلاة والسّلام والتحية والإكرام ؛ ثم ذكر أن الناس بعده أرادوا أن يبنوا صرحا لاحقا بالسماء ، واجتمع جميعهم على ذلك لأن لغتهم كانت واحدة ورأيهم واحد ففرق الله ألسنتهم وفرقهم من هنالك على وجه الأرض ولم يبنوا القرية التي هموا بها ، ولذلك سميت بابل وبوبال معناه بالعبراني : الشتات ، وما في تفسير البغوي وغيره من أن عوج ابن عوق ـ بضمهما كما في القاموس ـ كان في زمن نوح وسلم من الطوفان ، وأن الماء لم يجاوز ركبتيه ونحو هذا كذب بحت منابذ لقوله تعالى : (وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) [هود : ٣٧] وقوله : (لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ) وقوله : (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً) [نوح : ٢٦] ونحوها ، فإن كل من ذكر ذلك ذكر أن موسى عليهالسلام قتله كافرا.
(تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (٥٠) يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢))
ولما تمت هذه القصة على النحو الوافي ببيان اجتهاد نوح عليهالسلام في إبلاغ الإنذار من غير مراعاة إقبال ولا إدبار ، وكانت مع ذلك دالة على علم تام واطلاع على دقائق لا سبيل إليها إلا من جهة الملك العلام ، فهي على إزالة اللبس عن أمره صلىاللهعليهوسلم
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
