(الَّذِينَ) فعلوا فعلهم لأنهم (فَسَقُوا) أي أوقعوا الترك لأمر الله وأوجدوا عصيانه وفعلوا الخروج عن طريق الحق والخروج عن دائرة الصلاح ، وهو كونهم أمة واحدة إلى دين أبيهم آدم صفي الله عليهالسلام ؛ ثم علل ذلك الحقوق بقوله : (أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) * أي لا يتجدد منهم إيمان أصلا ، وعبر بالفسق المراد به الكفر لأن السياق للخروج عن دائرة الدين الحق في قوله (وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا) وهذا المعنى أحق بالتعبير للفسق الذي أصله الخروج عن محيط في قولهم : فسقت الرطبة عن قشرها ـ أي خرجت ، أو يكون المعنى : حقت الربوبية له سبحانه بهذا الدليل ، وهو فعل هذه الأمور المختتمة بالتدبير المقتضي للوحدانية له سبحانه قطعا لأنه لو كان قادر يساويه في مقدوره لأمكن أن يمانعه ، وبطل أن يكون قادرا ، وحق أن من زاغ عن الحق كان في الضلال كما حق هذا (كَذلِكَ حَقَّتْ) أي ثبتت ثباتا عظيما (كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى) كل (الَّذِينَ) قضى بفسقهم منهم. و (أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) تفسير لكلمته التي حقت ؛ والرزق : جعل العطاء الجاري.
(قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٣٦))
ولما علم أنهم معترفون بأمر الهداية وما يتبعها من الرزق والتدبير أعاد سبحانه السؤال عنها مقرونة بالإعادة تنبيها لهم على ما يتعارفونه من أن الإعادة أهون ، فإنكارها مع ذلك إما جمود أو عناد ، وإنكار المسلمات كلها هكذا ، وسوقه على طريق الاستفهام أبلغ وأوقع في القلب فقال : (قُلْ) أي على سبيل الإنكار عليهم والتوبيخ لهم (هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ) أي الذين زعمتموهم شركاء لي وأشركتموهم في أموالكم من أنعامكم وزروعكم (مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ) كما بدأته ليصح لهم ما ادعيتم من الشركة (ثُمَّ يُعِيدُهُ.)
ولما كان الجواب قطعا من غير توقف : ليس فيهم من يفعل شيئا من ذلك ، وكان لجاجهم في إنكار الإعادة وعنادهم لا يدعهم أن يجيبوا بالحق ، أمره بجوابهم بقوله : (قُلِ اللهُ) أي الذي له الأمر كله (يَبْدَؤُا الْخَلْقَ) أي مهما أراد (ثُمَّ يُعِيدُهُ) وأتى هنا بجزئي الاستفهام وكذا ما يأتي في السؤال عن الهداية تأكيدا للأمر بخلاف ما اعترفوا به ، فإنه اكتفى فيه بأحد الجزأين في قوله (فَسَيَقُولُونَ اللهُ) ولم يقل : يرزقنا ـ إلى آخره ؛ ثم زاد في تبكيتهم على عدم الإذعان لذلك بالتعجيب منهم في قوله : (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
