من الدنيا إعراضا وزهادة ، وهو تذكير بوصف المتقين المذكور أول الكتاب بقوله : (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.)
(أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩))
ولما حققوا إيمانهم بأفعال القلوب والجوارح والأموال ، فاستوفوا بذلك جميع شعب الدين ، عظم سبحانه شأنهم بقوله : (أُولئِكَ) أي العالو الهمم (هُمُ) أي خاصة (الْمُؤْمِنُونَ) وأكد مضمون الجملة بقوله : (حَقًّا).
ولما كانت صفاتهم الخمس المذكورة المشتملة على الأخلاق والأعمال لها تأثيرات في تصفية القلوب وتنويرها بالمعارف الإلهية ، وكلما كان المؤثر أقوى كانت التأثيرات أعلى ، فلما كانت هي درجات كان جزاؤها كذلك ، فلهذا قال سبحانه تعالى في جواب من كأنه قال : فما جزاؤهم على ذلك؟ (لَهُمْ دَرَجاتٌ) ولما كثرها بجمع السلامة بما دل عليه سياق الامتنان ، عظمها بقوله : (عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي بتسليمهم لأمره.
ولما كان قدر الله عظيما ، وكان الإنسان عن بلوغ ما يجب عليه من ذلك ضعيفا حقيرا ، وكان بأدنى شيء من أعماله يستفزه الإعجاب ، أشار سبحانه إلى أنه لا يسعه إلا العفو ولو بذل فوق الجهد فقال : (وَمَغْفِرَةٌ) أي لذنوبهم إن رجعوا عن المنازعة في الأنفال وغيرها ، (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) أي لا ضيق فيه ولا كدر بوجه ما من منازعة ولا غيرها ، فهو يغنيهم عن هذه الأنفال ، ويملأ أيديهم من الأموال من عنائم فارس والروم وغير ذلك ، هذا في الدنيا ، وأما في الآخرة فما لا يحيط به الوصف ؛ قال أبو حيان : لما تقدمت ثلاث صفات قلبية وهي الوجل وزيادة الإيمان والتوكل ـ وبدنية ومالية ، ترتب عليها ثلاثة أشياء ، فقوبلت الأعمال القلبية بالدرجات والبدنية بالغفران ، وقوبلت المالية بالرزق الكريم ، وهذا النوع من المقابلة من بديع علم البديع ـ انتهى. ولما كان الإيمان عند الشافعي رحمهالله الاعتقاد والإقرار والعمل جوز أن يقال : مؤمن إن شاء الله ، لأن استيفاء الأعمال مشكوك فيه وإن كان الاعتقاد والإقرار يقينا ، وعند أبي حنيفة رحمهالله الإيمان الاعتقاد والإقرار فقط ، فلم يجوز الاستثناء ، فالخلاف لفظي ، هذا إذا
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
